المجلس اليمني ... يمن واحد وآراء متعددة
::  قوانين المنتدى  |     التسجيل  |   طلب رقم التنشيط   |   تنشيط العضوية  |  استعادة كلمة المرور
العودة   المجلس اليمني :: الأقسـام العـامـة :: المجلس السياسي :: الشـؤون العربيـة والعالمية
 
أدوات الموضوع
22-06-2007, 02:13 PM   مشاركة رقم :: 1
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي الطريقة السنوسية اهم الطرق الصوفية الاصلاحية السلفية عصر المنشأ

صفحات من التاريخ الإسلامي في الشمال الأفريقي


الحركة السنوسية
في ليبيا

الإمام محمد بن علي السنوسي

ومنهجه في التأسيس

(التعليمي والحركي والتربوي والدعوي والسياسي)

- الجزء الأول -

تأليف
علي محمد محمد الصلابي

الإهداء

الى العلماء العاملين ، والدعاة المخلصين،
وطلاب العلم المجتهدين،وأبناء الأمة الغيورين
أهدي هذا الكتاب سائلاً المولى عز وجل بأسمائه
الحسنى وصفاته العُلا أن يكون خالصاً
لوجهه الكريم
قال تعالى: ................ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِهِ فَلْيَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبَادَةِ رَبِه أَحَدَاً.
(سورة الكهف، آية 110)
m
إن الحمدلله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله { ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حَق تقاتِهِ ولاتموتن إلا وأنتم مسلمون} (سورة آل عمران : آية 102).
{ ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطعِ الله ورسوله فقد فازاً فوزاً عظيماً} (سورة النساء، الآية1).
أما بعد؛
يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.
هذا الكتاب السابع يتحدث عن الحركة السنوسية في ليبيا وقد سميته (الإمام محمد بن علي السنوسي ومنهجه في التأسيس، التعليمي، الحركي، التربوي، الدعوي).
وقد ذكرت في مقدمة الكتاب الأول من سلسلة (صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي)؛ أن اهتمامي بالتاريخ كانت بدايته خلف أسوار السجن السياسي في ليبيا، وقد اكرمني الله تعالى أن ألتقي في مدرسة يوسف عليه السلام ببعض وجهاء بلادنا في فترة الستينات من ذوي الثقافات المتنوعة، والخبرات المتعددة، والأتجاهات المتباينة، وقد حرصوا على توريث تجاربهم وخبراتهم، وتاريخهم للأجيال القادمة ، وقد استمعت الى بعض أبناء الحركة السنوسية وهم يتحدثون على ماقام به الدعاة والمجاهدون من أبناء الحركة في إعزاز دين الله، ونصرة أهله والدعوة إليه في الصحراء الكبرى، وغرب ووسط أفريقيا، وبلاد الحجاز، ومصر والشمال الأفريقي ، وكان لذلك الحديث أثره في نفسي ومن ثم اهتميت بجمع المعلومات عن كل ما يتعلق بالحركة السنوسية، من أجل الكتابة عنها، ودراستها ، دراسة تحليلية وافية، وكنت شديد الفرح بكل معلومة أحصل عليها من أفواه رجال الحركة، فأكتبها على أوراق الصابون، وأوراق البسكويت، وأوراق حليب الكورنيش بواسطة أقلام الرصاص، والجرافيت التي كنا نستخرجها من بطاريات الشحن الصغيرة؛ لأنه كان من الصعوبة بمكان الحصول على أوراق أو أقلام في المعتقل.
وبعد خروجي من السجن في 3/3/1988م وقد أكرمني الله بوضوح الهدف، والشعور بوجوب الدعوة الى الله تعالى، والإستعداد للتضحية في سبيلها قال الشاعر:
خرجنا من السجن شم الأنوف
كما تخرج الأسد من غابها
نمرّ على شفرات السيوف
ونأت المنية من بابها
وعندما خرجنا من المعتقل، كانت الصحوة الاسلامية قد امتدت في شرايين المجتمع الليبي، لقد غمرتني سعادة كبرى بظهور التيار الاسلامي، وامتلاء المساجد وانتشار الحجاب، وظهور التدين في المناسبات الاجتماعية إلا أنه بعد احتكاكي ببعض أبناء الصحوة، لاحظت أنها عاطفة جياشة ينقصها العلم الشرعي من الكتاب والسنة، كما وأنني لمست أنقطاعاً واضحاً عند هذا الجيل المبارك عن تاريخ أجداده وجهادهم ضد فرنسا في وسط أفريقيا والصحراء الكبرى، وجهادهم العظيم ضد ايطاليا في طول البلاد وعرضها، وجهادهم ضد بريطانيا على الحدود المصرية الليبية، وللأسف الشديد لايتذكرون من فتوحات الصحابة والتابعين لليبيا والشمال الأفريقي إلا ثقافة ضحلة لاتسمن ولاتغني من جوع، لذلك ازدادت قناعتي بأهمية كتابة تاريخ بلادنا ليس من الحركة السنوسية فقط؛ بل ليمتد من الفتح الاسلامي الى العصر الحديث، وبعد خروجي من بلادنا العزيزة لطلب العلم ألتحقت بالجامعة الاسلامية بالمدينة النبوية، وكانت فكرة كتابة التاريخ قد استقرت في ذهني، وشرعت في تنفيذها مستعيناً بالله العليم الحكيم، ومتضرعاً الى التواب الرحيم أن يلهمني الصواب، وييسر لي الأسباب ، وبعد عشر سنين ظهرت تلك الفكرة بفضل الله ومنه وتوفيقه الى حيز الوجود في سلسلة صفحات من التاريخ الاسلامي في الشمال الأفريقي طبع منها ستة كتب، وانتشرت في المكاتب العربية، والمعارض الدولية، ووصلت الى كثير من القراء، فكانت بين مادح وذام ، ومنتقد ومستدرك؛ قال الشاعر:
إن تجد عيباً فسدَّ الخللا
جل من لاعيب فيه وعلا
وقال الشاعر:
من الذي ما ساء قط
ومن له الحسن فقط
وقد وصلتني ملاحظات علمية قيمة أشكر أخواني على حسن نصحهم، وجميل أهدائهم، وتشجيعهم، وأدعو الله العلي الكبير ان يوفقني وأياهم لخدمة دينه وسنة نبيه e، وتاريخ الاسلام المجيد.
وها أنا الآن أقدم للجزء الأول للكتاب السابع وقد أطلع عليه بعض المختصين بعلم التاريخ، وقد قال أحد المؤرخين: إن مايقوم به هذا الباحث الشاب رد عملي على كل من يريد أن يفصل ليبيا عن جذورها الاسلامية الممتدة في أعماق التاريخ، ومن النوادر اللطيفة عندما كنت أكتب في هذا الكتاب طرق باب بيتي مجموعة من الشباب الليبي المهاجر، فأدخلتهم وأكرمتهم وبدأت أحدثهم عن الدرر ، والجواهر، والأمجاد العظيمة التي يزخر بها تاريخ بلادنا المعاصر، فقال أحدهم لي أحدهم لانريدك أن تكتب التاريخ وإنما نريدك أن تصنعه؛ فقلت لهم: أنتم تصنعونه وأنا أكتبه، فضحك الجميع ، وماكانت تلك الكلمة لتثنيني عن هدفي الذي هيمن على نفسي ومشاعري وأحاسيسي، فبذلت له وقتي وجهدي ومالي سائلاً المولى عز وجل أن تكون أعمالي خالصة لوجهه الكريم.
إنني كلما توغلت في دراسة التاريخ ازددت قناعة بأهميته في تكوين الأمم، وتربية الشعوب، وتحقيق الآمال، وبناء الدول، ومحاربة الباطل، وإزالة الظلم، ونشر العدل.
إن هذا الجزء الأول من الكتاب السابع يعرّف القارئ الكريم بالإمام محمد بن علي السنوسي حامل لواء النهضة الحديثة في ليبيا، ومرسي قواعدها، وموقد جذوة الإيمان في قلوب قبائلها.
يتحدث هذا الكتاب عن حياة هذا الإمام الذي بارك الله في علمه وعمله واحيا الله به شعباً حمل لواء الدعوة والجهاد في الصحراء الكبرى، ووسط أفريقيا ولم يتردد في بذل ماله ورجاله من أجل نصرة دين الله تعالى.
ويسلط الأضواء على جوانب متعددة في منهج الحركة السنوسية، ليبين للقارئ الكريم أن شعب ليبيا عندما أكرمه الله تعالى بداعية رباني، استطاع أن يفجر طاقته الكامنة تحول الى مجتمع اسلامي قوي حمل مشاعل النور في قلب أفريقيا المظلمة وبذل الغالي والنفيس في سبيل الاسلام.
ويوضح للقارئ الكريم أن ابن السنوسي يعتبر رائداً من رواد مدرسة الاصلاح الاسلامي في الشمال الأفريقي ووسطها وغربها عمل على نشر الاسلام الصحيح، ومحاربة البدع، والخرافات، والشعوذة بأنواعها وأشكالها، التي لحقت به في عصورها المتأخرة في مشرقه ومغربه على حد سواء.
إن هذا الجهد المتواضع يزيل اللثام عن شخصية علمية دعوية ربانية كان لها أثر ولازال في لييا خصوصاً وافريقيا عموماً ويجيب القارئ على كثير من الأسئلة التي يحتاجها المهتمون بدراسة الدعوات الاصلاحية، والتي يبحث عن إجابتها دعاة الاسلام في لييا خصوصاً.
ماهي رحلات ابن السنوسي العلمية؟ وماهي العلوم التي درسها؟ ومن هم شيوخه؟ وماسر نجاحه؟ وماهي صفاته؟ وكيف تعرف على أحوال المسلمين واخلاقهم؟ وكيف استطاع أن يتصل بالكثير من القادمين من مختلف أنحاء العالم الاسلامي؟ وماهي خطة عمله التي سار عليها؟ وهل استفاد من حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وتجربة محمد علي باشا حاكم مصر؟ وماهو اسلوبه في التعامل مع الدولة العثمانية، وعلمائها؟ وكيف تعامل مع الطرق الصوفية، والقبائل البدوية، والقبائل الوثنية؟ وماهي حقيقة الزوايا السنوسية؟ وهل استطاع ابن السنوسي أن يجعل من قبائل ليبيا قوة اسلامية يحسب لها حسابها الاقليمي، والدولي؟ وهل كانت مفاهيم الحركة السنوسية سلفية؟ وماهي علاقة ابن السنوسي بحركة الجهاد ضد ايطاليا وفرنسا؟ وهل كان من الممكن أن يخرج أبطال الجهاد، من أمثال أحمد الشريف، وعمر المختار وغيرهم لولا الله ثم جهود ذلك المصلح العظيم؟
نعم علامات استفهام كثيرة نحاول الاجابة عليها في الجزء الأول ثم الجزء الثاني بإذن الله تعالى.
هذا وإنني لم آتي بجديد، وإنما وفقني الله تعالى للجمع والترتيب والتحليل، فإن كان خيراً؛ فمن الله وحده، وإن أخطأت السبيل فأنا عنه راجع إن تبين لي ذلك والمجال مفتوح للنقد، والرد والتعليق والتوجيه، كما أقرر بأنني قد استفدت كثيراً في كتابي هذا من الجهود التي سبقتني، ككتاب (السنوسية دين ودولة) لمحمد فؤاد شكري، والحركة السنوسية، للدجاني ، وبرقة العربية أمس اليوم للأشهب، والسنوسي الكبير للأشهب، والفوائد الجليلة في تاريخ العائلة السنوسية لعبدالقادر بن علي، والمجموعة المختارة للإمام ابن السنوسي التي جمعها محمد عبده بن غلبون وإخوانه، وغيرها من الكتب، وقد دونت مااختصرته من مباحث وأشرت إليه في هامش الكتاب للأمانة العلمية، كما أنني انتهجت منهجاً دعوياً ، تاريخياً يعتمد على توسيع النقاط البيضاء المشرقة ، وتضييق النقاظ السوداء المظلمة ، مساهمة مني في علاج الهزيمة النفسية التي يمر بها شعبنا المظلوم ومتضرعاً لله تعالى الحي القيوم أن يحي شعبنا وأمتنا بالإيمان والقرآن الكريم، وسنة سيد الخلق أجمعين.
وقد قمت بتقسيم الجزء الأول من الكتاب السابع في السلسلة التاريخية الى مقدمة ، وثلاثة فصول ، وخاتمة ، وهي كالآتي:
الفصل الأول : الإمام محمد بن علي السنوسي ، ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم.
المبحث الثاني: اسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته.
المبحث الثالث: إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة .
الفصل الثاني: البعد التنظيمي ، والمنهج التربوي، والبعد السياسي عند ابن السنوسي ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: البعد التنظيمي.
المبحث الثاني: المنهج التربوي.
المبحث الثالث: البعد السياسي.
الفصل الثالث: اسلوبه الدعوي، وثروته الفكرية، وصفاته الربانية ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الأسلوب الدعوي.
المبحث الثاني: الجانب الفكري عند ابن السنوسي من خلال كتبه .
المبحث الثالث: من أهم صفات ابن السنوسي.
ثم نتائج البحث.
وأخيراً: أرجو من الله تعالى أن يكون عملاً خالصاً لوجهه الكريم وأن يثيبني على كل حرف كتبته ويجعله في ميزان حسناتي وأن يثيب إخواني الذين أعانوني بكافة مايملكون من أجل إتمام هذا الكتاب .
((سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين)).


الفقير الى عفو ربه ومغفرته
علي محمد محمد الصّلابي

 
22-06-2007, 02:14 PM   مشاركة رقم :: 2
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

المدخل
أحوال العالم الاسلامي قبيل ظهور الحركة السنوسية

بدأ الضعف والانحلال يدب في أوصال الأمة الاسلامية بعد وفاة صلاح الدين الأيوبي الذي هزم الصليبين، وطهر بلاد المسلمين منهم، ومما زاد الأمر سوءً احتلال التتار للمماليك الاسلامية، وتمزيقهم للأمة، والعمل على إزالت معالمها الحضارية، والدينية، والعلمية، وشاءت إرادة الله النافذة أن يلطف بهذه الأمة، فأكرم الله العثمانيين بالتمكين، وكان قمة ذلك التمكين في زمن السلطان محمد الفاتح الذي أجرى الله على يديه فتح القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية عام 857هـ/1453م، وبذلك عادت للأمة هيبتها، وقوتها، ومجدها، وعزتها، وتولى العثمانيون زعامة الأمة الاسلامية ، وكان الشعب العثماني قد تميز بالحماس، وحب الجهاد، وعشق الشهادة في سبيل الله، وسلامة الفطرة، والبعد عن الأمراض الاجتماعية التي اصابت غيره من الشعوب، أضف الى ذلك القيادة الربانية التي كانت تقود الشعب نحو ساحات الوغى، وتعمل على نشر الاسلام، وتزيل العوائق من أمام الأمم المفتوحة، ليعرض عليها الاسلام صافياً نقياً من كل شائبة، وهيمن الاسلام من جديد على زعامة العالم وقيادته، وأصبحت الدولة العثمانية تحكم في ثلاث قارات: أوروبا ، وأفريقيا، وآسيا، وتوغلت في أوروبا، حتى بلغت الجيوش العثمانية أسوار فينا، وكانوا سادة البحر المتوسط من غير نزاع، وقد جمعوا بين السيادتين، البرية ، والبحرية، وبين السلطتين الروحية والسياسية().
(ولكن من سوء حظ المسلمين. أخذ الترك في الانحطاط ودب إليهم داء الأمم من قبلهم: الحسد والبغضاء، واستبداد الملوك وجورهم، وخيانة الأمراء وغشهم للأمة. وإخلاد الشعب الى الدعة والراحة. وكان شر ما أصيبوا به الجمود في العلم والجمود في صناعة الحرب، وتنظيم الجيوش)().
وأخذت ملامح القوميات العرقية تظهر على مسرح الأحداث في الدولة، وتفجرت الثورات في البلقان، وشرعت في تشكيل جمعيات قومية سراً، وعلناً، وبدأت التوجيهات العلمانية تظهر في الأمة، وعمل اليهود والنصارى على تقوية هذه الاتجاهات المفسدة، فاليهود أرادوا الانتقام لأن العثمانيين منعوهم من فلسطين، والنصارى يريدون أن ينتقموا لحملاتهم الصليبية التي فشلت في تحقيق أهدافها أمام جهاد عماد الدين، ونور الدين ، وصلاح الدين .
كانت الأحزاب العلمانية ، والجمعيات السرية، والعصبيات القومية، تنخر في كيانها الدولة العثمانية؛ فظهر من يدعو الى القومية الطورانية، والعربية ، والكردية...الخ وبدأت الثورات تتفجر في البلدان، وأخذت الحركات الانفصالية تتكاثر ، وأخذت الدول الأوروبية في دعمها، وتعد المشاريع لاقتسام تركة الرجل المريض، وكان العالم الاسلامي آنذاك منضوي تحت لواء الدولة العثمانية التي فقدت عوامل النهوض، واهملت شروط التمكين، وتباعدت عن اسبابه، وتخلفت عن ركب الحضارة، فدخلت الأقاليم الاسلامية في دوامة التدهور، والظلام الحالك، والمحنة الشاملة، والجهل المطبق والظلم الفادح، والفقر المدقع، فتفجرت الثورات بدوافع مختلفة، فمرة بدوافع العرق والقومية، واخرى دفاعاً عن النفس ضد الجور، والتعسف والظلم، وتارة بدافع الحقد، والتعصب، وكانت اليهودية والصليبية خلف تمزيق السلطنة، وإضعافها، فكثرت مصائبها، وتعددت جبهاتها، وأصبح مركز الخلافة، مفككاً، ضعيفاً، متدهوراً، منحلاً، وقد اصيبت الولايات، كالجزائر ، وتونس ، وليبيا، ومصر، والشام والحجاز، بالضعف الشديد، والتدهور المريع، بسبب الظلم والاستبداد، وانتشار الجهل، وجمود العلم، وغياب القادة وصاحب هذا الانهيار في كيان الدولة ، أحداث خطيرة، كان لها أثر فعال على المسلمين وجميع جوانب حياتهم، الفكرية ، والدينية، والعلمية والسياسية فمن ذلك:
احتل الفرنسيون مصر عام 1798م وظلوا فيها حتى عام 1801م، وتمكن محمد علي باشا من الانفراد بحكمها بعد خروج فرنسا
(1805-1848م) وكان هذا الرجل مصيبة كبرى على الأمة، واستطاعت الدول الأوروبية ، والمحافل الماسونية أن تحقق اهدافها بواسطته، فعمل على:
تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كانت خنجراً مسموماً في ظهر الاطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً، والمشرق عموماً.
فتح البلاد على مصرعيها لإقامة مؤسسات معادية للدين الاسلامي والمسلمين؛ كالمحافل الماسونية، والارساليات التبشيرية، والأديرة والكنائس، ومدارس تتعهد التيارات القومية المعادية للاسلام، وبث الافكار المعادية للأمة.
اتاح الفرصة لشركات أوروبية تحكمت في اقتصاد البلاد.
منح امتيازات واسعة للأوروبيين، ومنع المسلمين منها.
خنق التيار الاسلامي الأصيل، وضيق على العلماء والفقهاء، ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل أهدافهم السامية، وغير ذلك من المساوئ.
ب- وفي عام 1830م احتلت فرنسا الجزائر، وفشلت الدولة العثمانية في منعها، وحاولت فرنسا جعل الجزائر قطعة منها، ثم امتد نفوذها الى تونس عام 1881م، ودخلت الى السودان الغربي.
ج- احتلت بريطانيا عدن عام 1839م وبدأت في توسيع نفوذها وسلطانها على دول الخليج العربي، وبعض بلاد الشام، وحاولت الدولة العثمانية وقف السرطان الصليبي الذي انهك جسم الأمة ولكنها فشلت وأصبحت الأمة تعاني من الآثار المترتبة بسبب ابتعادها عن شرع الله تعالى؛ فمن الناحية الاجتماعية، تفشى الجهل، وأصبح عاماً شاملاً لكل الديار الاسلامية، وضمر الايمان ، وتقاعست النفوس، وكان النزاع بين الأمراء مستمراً على حطام الدنيا، وأصبح كل حزب بما لديهم فرحون، وولاة الدولة العثمانية همهم جمع الاموال، وتكثير الأملاك إلا مارحم الله، وأخذ الظلم الذي استشرى يعجل بزوال الدولة العثمانية، أما من الناحية العلمية؛ أصبحت الأمة في ليل حالك وظلام دامس؛ وتفشى الجهل في كل طبقات الأمة وفي جوانبها الثقافية كالأدب، والعلم، والصناعات، ... وكان العالم الاسلامي من شرقه الى غربه مصاباً بالجدب العلمي، وشبه الشلل الفكري، وأصبح في حالة غيبوبة، واستولى عليه النعاس الشديد، ومات فيه النشاط، والحيوية، والأبداع، والاجتهاد في العلم والدين، والأدب، والشعر، والحكمة ودخلت الأمة في نفق التقليد الأعمى، وكان مظلماً شديد الظلمة.
وأصبحت الجامعات الكبرى كالأزهر، والزيتونة تهتم بالمتون وتترقى في الشروح، ومن بلغ الذروة في العلم والمعرفة فهم ما في الحواشي، وعاش العالم الاسلامي في عزلة سياسية وعلمية مخيفة، فلا علاقة له بشعوب الارض إلا من خلال النزاع السياسي، والصدام العسكري، فتجمدت حياته العلمية وانتهت الى ترديد كتب وعبارات الأقدمين والمجتهد النحرير من يفهمها().
(وأصبح العلم مع الزمن، احتكاراً لأسر معينة، وغدت طبقة العلماء طبقة اجتماعية ذات امتيازات خاصة، واتخذت موقفاً صلباً ضد كل تجديد في عالم الفكر، فقد قاوموا إدخال المطابع الى الدولة وطباعة الكتب الدينية الاسمية...)().
وكان العلماء هم المشرفون على التربية والتعليم في الدولة، ولم يستطع العلماء أن يجعلوا للتعليم في المدارس والمعاهد برنامجاً متطوراً يتناسب مع عصرهم، وقد تحدث بعض المفكرين عن عيوب التعليم متخذين من الأزهر الشريف مثلاً على ماوصلوا إليه؛ فقد قال محمد خليل المرادي عن عيوب التعليم في الأزهر مايلي:
قبول أبناء الأكابر والأغنياء في الأزهر ممن لايتمعون بمستوى تعليمي جيد.
تدني مستوى الأساتذة.
استئثار بعض الاساتذة بتعليم كثير من المواد بحيث يعينون بدلاء عنهم مقابل مرتب زهيد.
تحديد الموضوعات، وضيق النظر في التدريس، فقد كان الهدف في التعليم تلقي بعض المعلومات المحدودة، أما تجاوز هذه المعلومات أو مجرد التساؤل عن صحتها، فقد يثير الشكوك ومقاومة العلماء أو قد يصل الى حد العقاب والطرد من المعهد أو فقدان مصدر العيش ناهيك عن التشهير().
هذه أهم ملامح الحياة الأدبية والعلمية في ذلك العصر .

أما من الناحية الصناعية:

فقد ضيع المسلمون الأعمار، وأخلدوا الى التقليد الأعمى، ورضوا بالجمود، ولم يبتكروا في الصناعات، بل أضاعوا ماكان لديهم من صناعات قديمة، وفقدوا مهارتهم، وحاول السلطان العثماني سليم الثالث أن يهتم بالإصلاح الصناعي ، فأنشأ مدارس جديدة، وكان يعلم نفسه في مدرسة الهندسة، وألف جيشاً على الطراز الحديث فثار عليه الجيش لغرابة ذلك، وتم قتله.

ومن الناحية الدينية:

(كان علماء الدين في الدولة العثمانية يعتبرون أنفسهم حماة الشريعة والحريصين على التمسك بمذهب أهل السنة، إذ كان دين الدولة الاسلام ومذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي، وكان على رأس هؤلاء العلماء شيخ الاسلام ووظيفته شبيهة بوظيفة الخليفة العباسي الذي كان يقيم في القاهرة في ظل حكم الممالك، وكان مركزه معادلاً لمركز الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، ويتمتع شيخ الاسلام بصلاحية إصدار الفتاوى في القضايا الكبرى، كأن يصدر فتوى بعزل السلطان أو أعلان الجهاد، ولكنه من الناحية العملية يعين من قبل السلطان ويلي شيخ الاسلام في منصبه (قاضيا العسكر) في الروملي، والاناضول، وقاضي استانبول ، ويليهم عدد من القضاة يكونون جميعاً مع شيخ الاسلام (المجلس الاعلى للعلماء)().
وجمد المسلمون في علوم دينهم فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية، والنحوية، والصرفية، ونحوها، وجمدوا على فقه المذاهب، وجل همهم التعمق في الحواشي، وحفظ المتون، دون القدرة على الاجتهاد.
وجعلوا لكل مذهب من المذاهب الفقهية مفتياً وإماماً ، وتعددت الجماعات في المسجد الواحد كل ينتصر لمذهبه، وكل يصلي خلف إمام حسب المذاهب المتواجدة في ذلك المسجد، كما أن الافتاء في أي مسالة حسب مذهب السائل، وحرم على الناس خروجهم عنها، وأغلق باب الاجتهاد بمغاليق من حديد، وكان علماء الدين كما وصفهم المؤرخ الجبرتي: (انهم قد زالت هيبتهم من النفوس، وانهمكوا في الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية، ومشاركة الجهال في المآتم، والمسارعة الى الولائم في الافراح والمآتم، يتكالبون على الاسمطة ، كالبهائم، فتراهم في كل دعوة ذاهبين ، وعلى الخوانات راكعين ولما وجب عليهم من النصح تاركين)().

أمور يضحك السفهاء منها
ويبكي من عواقبها اللبيب

وعندما دخل نابليون بونابرت مصر غازياً، استفاد من أمثال أولئك العلماء وألف منهم ديوان القضاء وقال: (إني استعين بهم لاتقاء أكثر العقبات إذ أن أكثرها دينية، ولأنهم لا يعرفون أن يركبوا حصاناً، ولا أن يقوموا بأي عمل حربي، وقد استفدت منهم كثيراً، واتخذتهم وسيلة للتفاهم مع الشعب)().
لقد انتشرت في ذاك العصر الدعوات المنحرفة، والأفكار المسمومة ، وكثرت مظاهر تقديس القبور، وطلب الحاجات من أصحابها، وبناء القباب الضخمة عليها والصلاة حولها، وارتكاب البدع الخطيرة، وانتشر التصوف المنحرف في ارجاء البلاد الاسلامية، شرقها، وغربها، عربيها وعجميها، لقد ضاع مفهوم العبادة الصحيح، والولاء والبراء، وانحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة رسولها e، فكان من الطبيعي أن تتعرض لضربات أعدائها، وأطماعهم الشريرة، فإذا نظرنا للدولة العثمانية، نجدها قد انقلبت الى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، وكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وانحرفت بعض السلاطين عن الصواب يقول محمد كمال جمعة: (وكانت قصور السلاطين والوزراء وكبار رجال الدولة مملؤة بالجواري والسبايا، وكان بعض أولئك السبايا أجنبيات من بلاد أجنبية فكن عيوناً لدولهن على الدولة العثمانية)().
(وقد تعالى سلاطين هذه الدولة على الرعية فإذا خاطبوا الرعية كانوا لايوجهون الخطاب إليها مباشرة بل يقولون لولاتهم بلغوا عبيد بابنا العالي)().
وكانت الدولة العثمانية في آخر زمانها لا تحارب التصوف المنحرف بمختلف طرائقه وبصوره التي بعدت عن الاسلام بعداً شاسعاً، وكانت قد دخلت من عادات بعضها نصرانية، كالرهبانية، واللعب بذكر الله، وابتداع أساليب فيه، كالرقص، والغناء والصياح، والتصفيق...الخ.
فإذا نظرنا الى بلاد فارس؛ نجد الدولة الصفوية الرافضية قد عاصرت الدولة العثمانية، وكانت تدعي الاسلام وهي دولة رافضية على مذهب الامامية وكانت تغالي في الرفض حتى أنها حاربت الدولة العثمانية لأنها منسوبة الى السنية أشد الحرب بتحريض من النصارى والصليبيين، واستجابة لمعتقدهم الفاسد.
أما إذا نظرنا الى بلاد الهند؛ فقد كانت الدولة المغولية ؛ لكنها كانت بقية ورثها أبناء ملك الهند المغولي أكبر خان، وقد قرب الشاعر الشيعي المسمى الملا مبارك ووليده، أبا الفائز (وكان شاعراً متصوفاً) وأبا الفضل (وكان فيلسوفاً على طريقة الصوفية المنحرفة)، وجعل فتح اله الشيرازي من أكابر علماء الشيعة من فارس مستشاره الشرعي، وهو شديد الوطأة على علماء أهل السنة، وألغى اللسان العربي من بلاطه وجعل الفارسي مكانه، وكان ميالاً الى التصوف المنحرف ويراه أرقى طريقة إسلامية، وهو على طريقة تصوف أهل وحدة الوجود، وله عقائد أخرى منها تناسخ الأرواح - أخذه عن البراهمة().
مما دعا الشيخ العالم ولي الله الدهلوي (ت1176هـ) في نهاية هذا العصر المغولي أن يقوم بجهود تكسر الجمود، وتطلق العقول لتتمش مع صلاحية الاسلام لكل زمان ومكان()، لكن انتهت دولة المغول في الهند، وطمعت البرتغال الكافرة في مسلمي الهند بسبب فساد ملوك هذه الدولة المغولية، وقامت حروب داخلية كثيرة، وتغلب فيها الهندوس واستعمرتها شركة الهند الشرقية الانجليزية حوالي 1175هـ().
وأما المغرب الأقصى:
كانت دولة العلويين تعاني من خلافات القبائل وثورات البربر ونزاع الطامعين على العرش، وتحاول جاهدة في الحفاظ على نفسها أمام أطماع الدول الاستعمارية، وقد كان لها قبل ذلك القرن اسطول بحري قوي حمى حدودها البحرية، وفرض احترامها على الدول الأوروبية ولكنها خسرته في عهد السلطان سليمان الذي اهمله واختار اتباع طريقة عقد المعاهدات مع الدول الأوروبية، وعندما حاول ابنه السلطان عبدالرحمن اعادة بناء الاسطول وقفت له تلك الدول بالمرصاد واجبرته على التخلي عن عزمه().
وبدأت الدول الأوروبية تستقطع من العالم الاسلامي دولاً كلما اتيحت لها الفرصة، لقد اهتز المسلمون لاحتلال الصليبيين لأجزاء من الوطن الاسلامي اهتزازاً عنيفاً، كما أثر عليهم احتكاكهم بالغرب، واطلاعهم على تقدمه، بالاضافة الى إحساس بعضهم بتخلف المسلمين وانحطاطهم.
ومن هذا نبعت حركات الاصلاح التي تتابعت في العالم الاسلامي منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، بتأثير عوامل عديدة منها؛ إحساس بعض العلماء الربانيين بسوء الاوضاع في العالم الاسلامي، وتحدي العالم الصليبي الأوروبي للعالم الاسلامي احتلاله أجزاء منه، فقامت حركة الشيخ محمد بن عبدالوهاب في نجد، وكان الدافع لها إحساس مؤسسها بإنحطاط المسلمين، وتأخرهم؛ لقد أذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب، بعد ما أطبقت الجهالة على الأرض، وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الاسلام، وخفي منار الحق والهدى وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبقى سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئاً، واختفيت السنة وظهرت البدعة، وترأس أهل الضلال والأهواء واضحى الدين غريباً والباطل قريباً، حتى لكان الناظر الى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح ويصاب بيأس قاتل في اية محاولة تهدف الى ذلك.
فكانت دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- تعد البداية الحقيقية لما حدث في العالم الاسلامي من يقظة جاءت بعد سبات طويل، وما تمخض عنها من صحوة مباركة ورجعة صادقة الى الدين().
لقد كان أثر دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب عظيماً في العالم الاسلامي، ويكفي في ذلك أن تكون عقيدة أهل السنّة آخذة في الظهور والزيادة والقوة، بعد أن كانت غريبة ومحاربة في أكثر البلاد، وبدأت الأمة تلتمس كتاب الله وسنة رسوله e لتسير على هدى الاسلام الصحيح في حياتها.
وظهر الامام محمد بن علي السنوسي بدعوته الاسلامية بعد وفاة محمد بن عبدالوهاب بعشرات السنين وكان لدعوته، أثر في مسيرة الأمة الاسلامية في الشمال الأفريقي، وغربها ووسطها، وكذلك في الحجاز وغيرها من أقطار العالم الاسلامي، ونترك للصفحات القادمة إعطاء القارئ الكريم صورة واضحة عن حياته ، ورحلاته، وأعماله، وكيف عاش واقع المسلمين المؤلم، وخطر الأوروبيين المحدق، فاندفع يعمل محاولاً الاصلاح، وماهي العوامل التي أثرت عليه ودفعته الى القيام بحركته؟ وماهي مؤلفاته وأفكاره؟ وماهو نظامه الحركي الذي سار عليه حتى وصل الى ماوصل إليه؟
هذا ماسوف نتركه للكتاب للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها.

 
22-06-2007, 02:15 PM   مشاركة رقم :: 3
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

الفصل الأول

الإمام محمد بن علي السنوسي

المبحث الأول

اسمه ونسبه وشيوخه ورحلاته في طلب العلم

أولاً : اسمه ونسبه:

هو الشيخ محمد بن علي بن السنوسي بن العربي بن محمد بن عبدالقادر بن شهيدة بن حم بن يوسف بن عبدالله بن خطاب بن علي بن يحيى بن راشد بن أحمد المرابط ابن منداس بن عبدالقوي بن عبدالرحمن بن يوسف بن زيان بن زين العابدين بن يوسف بن حسن بن ادريس بن سعيد بن يعقوب بن داود بن حمزة بن علي بن عمران بن إدريس بن إدريس بن عبدالله الكامل ابن الحسن المثنى بن الحسن السبط ابن علي() بن أبي طالب الهاشمي القرشي.

ولد سنة 1202هـ صبيحة يوم الاثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول عند طلوع الفجر ولذلك سماه والده محمداً تيمناً باسم النبيe وكانت ولادته بضاحية ( مَيْثاً ) الواقعة ضفة وادي شِلْف بمنطقة الواسطة التابعة لبلدة مستغانم في الجزائر() وتوفي والده بعد عامين من ولادته، وتولت عمته فاطمة تربيته وتنشئته تنشئة صالحة وكانت من فضيلات أهل زمانها، ومتبحرة في العلوم ومنقطعة للتدريس والوعظ يحضر دروسها ومواعيظها الرجال() واهتمت السيدة فاطمة بابن أخيها الذي أظهر حباً عظيماً لتحصيل العلوم، فأخذ يطلب العلوم من شيوخ مستغانم، وغيرها من البلاد المجاورة لها مع تعهد عمته له ومن أشهر شيوخه في تلك المرحلة، فمنهم من أخذ عنهم القرآن الكريم مع القراءات السبع، محمد بن قعمش الطهراوي زوج عمته، وابنه عبدالقادر وكانا عالمين جليلين صالحين وابن عمه الشيخ محمد السنوسي الذي تولاه بعد وفاة عمته في الطاعون عام 1209هـ وعمره لم يتجاوز السابعة واتم على ابن عمه حفظ القرآن الكريم برواياته السبع مع علم رسم الخط للمصحف والضبط وقرأ عليه الرسالات الآتية، مورد الظمآن، المصباح، العقيلية، الندى، الجزرية، الهداية المرضية في القراءة المكية، حرز الأماني للشاطبي، وغيرها مما هو من وظائف قارئ القرآن() وبعد أن أتم مايلزمه من لوازم حفظ القرآن واتقانه شرع ابن عمه الشيخ محمد السنوسي في تعليمه العلوم العربية ثم الدينية بالتدرج وتربيته على العمل بما تعلم وكان يزوده بتراجم العلماء والقادة والفقهاء وتوفي ابن عمه عام 1219هـ فجلس محمد بن علي على شيوخ من مستغانم وهم: محي الدين بن شلهبة، ومحمد بن ابي زوينة، وعبدالقادر بن عمور، ومحمد القندوز، ومحمد بن عبدالله، وأحمد الطبولي الطرابلسي، وكلهم من جهابذة العلماء في زمانهم ومكث يطلب العلم في مستغانم سنتين كاملتين().
وفي أوائل 1221هـ خرج من مستغانم إلى بلدة مازونه ومكث بها سنة واحدة وتتلمذ على مجموعة من المشائخ هم، محمد بن علي بن أبي طالب، أبو رأس المعسكري، وأبو المهل أبو زوينه().
وبعد ذلك رحل إلى مدينة تلمسان وأقام بها مايقارب من السنة وتتلمذ على كبار شيوخها().

ثانياً: نبوغ مبكر :

كان الشيخ محمد بن علي السنوسي في صغره يميل إلى الإنزواء والإنفراد ويمضي وقتاً طويلاً في التفكير العميق، ويتألم من حال الأمة وما وصلت إليه من الضعف والهوان والضياع وكان يبحث عن عوامل النهوض، وأسباب توحيد صفوف الأمة، واحياء الملة الإسلامية، وحدث ذات مرة أن وجده بعض العلماء جالساً فوق كثيب من الرمال تظهر على صفحات وجهه المشرق علامات التفكير العميق، فلما سألوه عن السبب في ذلك، أجاب بأنه ( يفكر في حال العالم الإسلامي الذي لايعدو عن كونه قطيعاً من الغنم لاراعي له على الرغم من وجود سلاطينه وأمرائه ومشايخ طرقه وعلمائه، فمع أن هناك عدداً كبيراً من المرشدين وعلماء الدين الموجودين في كل مكان، فإن العالم الإسلامي لايزال مفتقراً أشد الافتقار إلى مرشد حقيقي يكون هدفه سوق العالم الإسلامي أجمع إلى غاية واحدة ونحو غرض واحد والسبب في هذا إنعدام الغيرة الدينية لدى العلماء والشيوخ وإنصرافهم إلى الخلافات القائمة بينهم قد فرقتهم شيعاً وجماعات فأصبحوا لايعنون بنشر العلم والمعرفة ولايعملون بأوامر الدين الحنيف، وهو دين توحيد أساسه الاتحاد وجمع الكلمة. زد على هذا أن على هؤلاء العلماء والشيوخ واجب عظيم في حق الملة الإسلامية، إذ أن الشعوب المجاورة في السودان والصحراء من افريقية الغربية - لاتزال تعبد الأوثان، ومع هذا فانهم بدلاً من وعظ هذه الشعوب الوثنية وإرشادهم إلى الدين القويم، مازالوا يفضلون القبوع في كل مسجد من مساجد المعمورة غير عاملين بعلمهم لاهم لهم إلا راحة أجسامهم، حريصين على لذاتهم، غير قائمين بواجبات مراكزهم، لاضمائر لهم تؤنبهم على إهمالهم إرشاد هؤلاء المساكين، الوثنيين(). ومع ذلك فقد بلغ السيد من القوافل الواصلة إلى بلده مستغانم أن الإسلام مغلوب على أمره في كل محل، ( وأن المقاطعات والخطط المعمورة تذهب من أيدي المسلمين في كل وقت وبسرعة البرق، فالإسلام في حالة التدهور المخيف. تم ختم كلامه بقوله: ( هذا ما أفكر فيه! فلما سألوه وماذا يجب على المسلمين عمله لتلافي ماذكرت، أجاب: سأجتهد، سأجتهد)().
لقد كان تفكيره في حال الأمة مبكراً، واجتهد في البحث عن العلل والأسباب التي أدت إلى التدهور والضعف المخيف في كيان الأمة وذكر أن من أسباب هذا الضياع فقدان القيادة الراشدة، وغياب العلماء الربانيين، وانعدام الغيرة الدينية، والإنشغال بالخلافات التي فرقتهم شيعاً وجماعات، والتفريط في حق دعوة الناس إلى الإسلام، وضياع الأقاليم الإسلامية، ولذلك اهتم بالبحث عن عوامل النهوض فرأى أن بدايتها في الإيمان العميق الذي هو أساس كل خير وسبب لحصول البركات ونزول الأرزاق قال تعالى: { ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ... } ( سورة الأعراف، الآية: 9 ).
إن الإيمان هو القضية الأولى والأساسية لهذه الأمة، فإذا تخلف المسلمون عن غيرهم في وسائل الحياة الحرة الكريمة فمرد ذلك إلى انحرافهم عن فهم الإسلام فهماً سليماً، وعن ضعف إيمانهم بقيمه ومثله ولاسبيل إلى إصلاح حالهم ومآلهم إلا بالإيمان على الوجه الذي بينه الله في كتابه، ورسوله e في سنته. وهو أن يكون طاقة دافعة إلى العمل، وقوة محركة للبناء، وحافزاً طبيعياً للتفوق().
وقد وصل إلى حقيقة مهمة ألا وهي أهمية العلم في نهوض الأفراد والجماعات والأمم، لأن العلم ظهير الإيمان، وأساس العمل الصالح، ودليل العبادة().

فبعد أن قطع المرحلة الأولى من طلب العلم في بلده الجزائر اشتاقت نفسه للمزيد:
قال أبو اسحاق الألبيري - رحمه الله - :
فلو قد ذقت من حلواه طعماً
لآثرت التعلم واجتهدت
ولم يشغلك عن هوى مطاع
ولادنيا بزخرفها فتنا
ولا ألهاك عنه أنيق روض
ولاخدر بزينتها كلفتا
فقوت الروح أرواح المعاني
وليس بأن طعمت ولاشربتا

 
22-06-2007, 02:15 PM   مشاركة رقم :: 4
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

ثالثاً: الرحلة إلى فاس :

وكانت المرحلة الثانية في الطلب، حيث قصد مدينة فاس في المغرب الأقصى ومكث فيها سبع سنوات تقريباً، فأخذ العلم بالرواية عن أفاضل علماء فاس مثل، حمودة بن حاج، حمدون بن عبدالرحمن، والطيب الكيراني، محمد بن عامر المعواني، وأبي بكر الأدريسي، وادريس بن زيان العراقي، ومحمد بن منصور، ومحمد بن عمر الزروالي، ومحمد البازعي، والعربي بن أحمد الدرقاوي، وكان العربي الدرقاوي من شيوخ الطريقة الشاذلية، وتبحر ابن السنوسي في معرفة الطرق الصوفية إلى جانب التفقه في علوم الدين، وتحصل على إجازات من علماء راسخين وأصبح مدرساً بالجامع الكبير بمدينة فاس ونال المشيخة الكبرى بها() وأقبل الناس عليه لما رأو من صلاحه وتقواه وفهمه الدقيق لعلوم الشريعة، وروحه الفياضة، وعقله المتنور، وفكره الناضج، وخشيت حكومة السلطان سليمان من نفوذه وبدأت العراقيل، ووجد أن لافائدة ترجى من بقائه بفاس وقرر الارتحال عنها بعد أن تبلورت أصول الدعوة في ذهنه وعزم على محاربة الأوهام والخزعبلات التي أبعدت الاسلام عن حقيقته، وحجزته بينه وبين أتباعه من أن يحقق لهم ماحققه في عهده الأول من رفعة وتلك هي الوسيلة الوحيدة التي تمنح المسلمين القوة، وتمكن لهم من دفع عدوهم عنهم، كما أن تجربته مع السلطان أكسبته خبرة في التعامل مع الحكام في المستقبل، ولقد لاحظ في فاس تباعد الأمة عن دينها وعقيدتها وانحرافها عن كتاب ربها وسنة نبيها وكيف بدأ الغزو الأوروبي يؤثر على المدن المغربية؟ وكيف دخلت البلاد في الصراعات والخلافات الداخلية؟ ولعل الذي جعله يبقي في المغرب الأقصى مدة سبع سنين متتالية جامع القرويين الذي وجد فيه جماعة من العلماء الذين ذكرت بعضهم، وكان يتشوق الى لقائهم() ولقد تعمق أحساسه بالخطر الأوروبي وشعر بالاخطار التي كانت تتهدد هذه البلاد من الدول الصليبية، ولقد سمع بعض الناس يتحدثون عن النكبات التي حاقت بها من هذه الدول منذ قرنين من الزمن، حين احتل الاسبان أجزاء كثيرة منها، كالمرسى الكبير، ووهران ، وعنابة وتنس ومدينة الجزائر، ومستغانم (مسقط رأسه) ومازالت أعمالهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة يرويها جيل عن جيل من القتل الذريع، والسبي الشنيع، وإهدار كل حرمة، وتحويل المساجد الى كنائس كانت تلك الأمور محل تأمل وتفكر من قبل ابن السنوسي().
لقد كانت تجربة فاس ثرية بالنسبة لابن السنوسي وقد نقل لنا شكيب ارسلان عن أحمد الشريف السنوسي مادرسه جده في فاس والشيوخ الذين أخذ عنهم فقال (ومنهم العلامة الهمام سيدي محمد بن الطاهر الفيلالي الشريف العلوي قرأت عليه مختصر السعد، وجمع الجوامع، السلم ، وجملة صالحة من مختصر الشيخ خليل ، وهو يروي عن الحافظ بن كيران والعلامة الزروالي وشيخهم العلامة ابن الشقرون باسانيدهم السابقة وغيرهم من أماثل علماء فاس. ومنهم العلامة المتقي المتفنن ابو المواهب سيد أبوبكر بن زياد الادريس حضرته في علوم كثيرة وقرأت عليه الفرائض والحساب والاربعين ومضاعفاتها والاسطرلابيين وصناعتها والعلوم الاربعة الرياضة والهندسة والهيئة والطبيعة والارثماطقيقي واصول قواعد الموسيقى والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الاحكام والنسب والوقف والتكسير والجبر، والمقابلة وغيرها الخ....)() ولقد بقي ابن السنوسي مهتماً بهذه العلوم وقام بتدريسها لبعض طلابه ومريديه.

ويمكن للباحث أن يلاحظ عدة عوامل أثرت في شخصيته لما كان في الجزائر، وظهور خطوط واضحة بعد انتهاء تجربة المغرب الأقصى في فاس،

أما العوامل التي أثرت في شخصيته لما كان بالجزائر منها:

1- تأثر ابن السنوسي مما كان يراه من ظلم الولاة العثمانيين، ومن الثورات التي كانت تقوم بها القبائل ضدهم.
2- لمس أطماع الدولة الأوربية في بلاده.
3- ولادته في بيت شريف مشهور بالعراقة والأصالة، وتأثره بتاريخ أجداده الأدارسة الذين حكموا المغرب، ولذلك صمم على السير في طريق أجداده ولقد برز اهتمامه بتاريخ أجداده في الكتاب الذي ألفه فيما بعد عنهم وسماه " الدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية ".
4- نشأته في بيئة علمية حببت اليه العلم وفتحت عينيه على حقائقه الكثيرة، فأبوه وعدد من أجداده كانوا من الفقهاء والعلماء.
5- تأثره بعمته فاطمة التي أشرفت على تربيته في طفولته الأولى وقد بقى ابن السنوسي في كهولته يذكر بعض توجيهاتها له.
6- التقاليد والأعراف التي ورثتها أسرته ساعدت في صقل شخصيته، من ذلك اهتمام الأسرة بتربية علمية عملية فيها الدراسة وفيها الفروسية().

وأما الخطوط العريضة التي اتضحت في شخصيته بعد الإقامة بفاس فمنها:

1- الصوفية التي تعمق ابن السنوسي في دراستها وساعدته الظروف على ذلك حيث كانت فاس مركزاً نشطاً للطرق الصوفية، وميداناً خصباً لنشاطها، ومعلوم لدى الباحثين أن الشمال الافريقي على وجه خاص حافل بالحركات الصوفية ولدى أهلها اهتمام كبير بها. وكان من الطبيعي أن يتأثر ابن السنوسي بالنظام المغربي للصوفية. ولقد استمر اهتمامه بالصوفية حتى آخر حياته وبقى خطها واضحاً في شخصيته حتى انه نظم طريقة خاصة عرفت باسمه وكتب كتاباً سماه ( السلسبيل المعين في الطرائق الأربعين ) تحدث فيه عن الطرق الصوفية عامة ووصف الطريق المثلى التي رضى بها والتي عرفت بنسبتها إليه() وكانت تجربته في الصوفية قد أعطته خبرة في التعامل معها فهو لم يقبل الصوفية على اطلاقها، ولم يرفضها بالجملة، بل قيدها بالكتاب والسنة وجعل طريقته مبنية على ( متابعة السنة في الأقوال والأحوال والاشتغال بالصلاة على النبي في عموم الأوقات )() وقد اهتم بالصوفية اهتماماً كبيراً وظهرت هذه النزعة في منهجه التربوي الذي جعله لأتباعه والذي سنفصله في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.
2- اهتمامه بالدراسة الفقهية، فقد واصل ابن السنوسي في فاس دراسته الفقهية على المذهب المالكي ودرس كتب الفقه على يد شيوخه وقد ذكر في مقدمته للموطأ انه أخذه على طريقتي المغاربة والمشارقة، وذكر اثنين من شيوخه المغاربة وهما محمد بن عامر المعداني، ومحمد بن عبدالسلام الناصري ولقد ظهرت سعة اطلاعه في الفقه المالكي وفقه المذاهب الأخرى في تأليفه، ولقد بقى اهتمامه بالجانب الفقهي حتى آخر حياته، واستمر على المذهب المالكي مع اجتهاده فيه ومخالفته للمالكية في مجموعة من المسائل سنبينها في الصفحات القادمة ان شاء الله، ونلاحظ بأن اهتمام ابن السنوسي بالتصوف والفقه اكسبت حركته طابعاً متميزاً، فهو لم يغلُ في صوفيته ولم يغرق في شطحاتها كما انه لم يغل ولم يقف عند الحروف الفقهية ولم يتجمد في فهم احكامها بل زاوج بين دراستها، فأكسب صوفيته طابع السنة ولجمها بحدود الشرع وأعطى فقهه رونقاً وروحانية متألقة بعيدة عن الجمود.
3- اهتمامه بالحركات الإصلاحية، والوقوف في وجه الحكام ضد انحرافهم، والوقوف معهم لتحقيق الإصلاح وتنظيم تكتل شعبي يسند هذه المطالبة ويعززها، فقد زاد هذا الاهتمام بفاس عاصمة الدولة المغربية ومركزها المهم في نشر الوعي، وإشعاع العلم() يقول الدكتور محمد فؤاد شكري ( ولما كان حبه لمنفعة المسلمين ورغبته في أن يرى العدل باسطاً جناحيه على أهل السلطنة وعلى شعوب الإسلام طراً، هي كل مايريد في حياته، فقد أكثر من الموعظة الحسنة في أثناء دروسه، وجرب مع الأهلين وأصحاب الشأن في فاس طرق الإرشاد بالحسنى تارة وبالشدة أخرى، ولكن دعوته إلى العدل والخير وجمع كل المسلمين وتطهير النفوس والابتعاد عن المنكر لم تثمر ثمرتها، بل إن كل ماحدث هو تنبه حكومة السلطان مولاي سليمان إلى هذه الدعوة وتلمس الخطر من جانبها، خشية أن تنقلب الدعوة الدينية إلى أخرى سياسية، فقد تعصف بالسلطنة .. وعلى ذلك فقد شددت الحكومة في مراقبة السيد، فوجد ألا فائدة ترجى من بقائه في فاس وقرر الارتحال )().
رابعاً: الأسباب التي جعلت ابن السنوسي يغادر فاس:
في عام 1235هـ() غادر ابن السنوسي فاس إلى الجزائر وقد ذكر المؤرخون عدة أسباب جعلته يغادر فاس منها:
1- أن فتناً كثيرة ثارت في فاس، حيث عمت الفوضى المدينة واضطر أهل الحل والعقد أن يقوموا بضبطها. ثم حدثت فتنة أخرى بسبب نزاع جرى بين القاضي والمفتي رفع أمره للسلطان سليمان فأخر المفتي عن الفتوى، فغضب للمفتي جماعة من المدرسين وطلبة العلم وتحزبوا على القاضي فكتبوا رسماً يتضمن الشهادة بجوره وجهله() ثم اضطرمت نار الفتنة حتى انتهت بخروج أهل فاس على السلطان سليمان، وعزموا على بيعة المولى ابراهيم بن يزيد زوج ابنة السلطان، فامتنع أولاً فهددوه قائلين " إن لم نبايعك بايعنا رجلاً من آل المولى ادريس t " فخاف خروج الأمر من بيتهم فوافق()، وكان من العلماء الذين حضروا البيعة محمد العربي الدرقاوي وهو أحد أساتذة ومشايخ ابن السنوسي، ولم يكن دور ابن السنوسي كبيراً في تلك الأحداث، وكانت الأحوال في فاس تدعو ابن السنوسي للمغادرة وخصوصاً بعد أن استطاع السلطان سليمان استعادتها ودخول شيخه الدرقاوي إلى السجن وتزعزع مركز العلماء والطلاب الذين وقفوا ضد السلطان سليمان ولاشك أن تلك الأحداث أكسبته خبرات كثيرة وأضافت إلى رصيده تجارب مهمة في حياته المستقبلية().
2- ومن الأسباب التي شجعت ابن السنوسي على مغادرة فاس انه كان قد اخذ حظاً وافراً من الدراسة على علمائها وتاقت نفسه للأخذ على علماء جدد، ولذلك نراه في طريق عودته من فاس يدخل في أعماق صحراء الجزائر ليتعرف على أشهر الزوايا وليقابل مقدميها حتى بلغ عين مهدي() ومكث فيها مدة قصيرة ثم قصد " الأغوات " التي كانت تمتاز بموقعها في جنوب الجزائر بوصفها ملتقى القوافل الآتية من السودان الغربي. وفيها مكث بعض الوقت يلقى دروساً في الفقه والشريعة ثم ارتحل منها إلى مسعد ثم إلى جلفة ثم إلى بوسعده وهو في أثناء رحلته يوعظ ويدرس ويفقه الناس بأمور دينهم() وكانت لرحلته في جنوب الجزائر أثر في انضاج شخصيته، وفي إعداده لما أخذ نفسه به، فهاهو ذا يشهد ذلك العالم الذي يختلف إلى حد بعيد عن العالم الذي عهده في مدن الجزائر وفي فاس بالمغرب الأقصى، وهاهو ذا يرى ميادين جديدة للدعوة والإصلاح تتفتح له، عالم بدوي بعيد عن صور الحضارة وتعقيداتها، ثم هو في الوقت نفسه ملتقى الإسلام والوثنية.
ولقد كانت تلك البوادي، على سكونها وهدوئها، تضطرب بـألوان من الحركات الدينية والاقتصادية، وكانت الزوايا الدينية التي يقوم عليها أصحاب الطرق الصوفية هي أهم مراكز هذه الحركات، أو لعلها المراكز الوحيدة لها، وكانت هذه الزوايا، أو هذه المراكز الثقافية، تضع في الغالب على طرق التجارة التي تربط السودان بالشمال، وتنتقل بواسطتها السلع في قوافل ماتزال رائحة وغادية.
وفي هذه الزوايا يلتقي رجال القوافل القادمون من الجنوب والعائدون من الشمال، يجلسون إلى شيوخها، ويستروحون بالتلقي عنهم، والانغمار في جوهم، وبتبادل الأحاديث المختلفة عن البلاد التي جاءوا منها أو مروا بها وبذلك كانت تلك الزوايا محلاً ثرياً غنياً بالمعلومات() وأخبار الشعوب الإسلامية، وفي هذه الزوايا كان نشاط ابن السنوسي في السودان الغربي يقوم بواجب الدعوة إلى الله تعالى وقد أيقن أن من عوامل نهوض الأمة القيام بهذا الدور العظيم، فإن الإسلام الذي آمن به ابن السنوسي لايكتفي بأن يكون في نفسه صالحاً مهتدياً، وإنما يريد منه أن يكون مصلحاً هادياً، متسلحاً بالعلم، ومتحلياً بالحلم، ومتجملاً بالصبر، ومتحرراً من كل القيود التي تشده الى الأرض، وتقعد به عن كلمة الحق، وأظهار الاسلام لكل أنواع البشر، وفي كل البقاع، لم يبالي ابن السنوسي بالتعب والنصب في سبيل رسالته ودعوته بل كان محتسباً الأجر والمثوبة عند الله تعالى وكان يرى أن شرفه منوط بأداء تلك الرسالة المقدسة.
وقد مكث في تلك الديار مايقارب العامين معلماً ومربياً وداعياً.
ولقد استفاد من هذه التجربة دروساً عظيمة جعلته يركز في مستقبله على دعوة البداية لما رأى فيهم من صفاء الفطرة، وجمال الخلق، وحب التدين وبعدهم عن الفساد وتعقيد الحياة الاجتماعية ، وسيطرة الأهواء السياسية كما لاحظ ذلك في المدن التي عاش فيها().
3- ومن الأسباب التي جعلته يغادر فاس رغبته الملحة لحج بيت الله الحرام، وزيارة مسجد النبي e ولذلك غادر بلاد السودان الغربي في رفقة قافلة ذاهبة الى المشرق().

 
22-06-2007, 02:16 PM   مشاركة رقم :: 5
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

خامساً: رحلته الى المشرق:
كان التفكير عند ابن السنوسي للسفر الى مكة طبيعياً، فهو من ناحية لابد وأنه تاقت نفسه الى بيت الله الحرام وحلم طويلاً بالعيش في الأراضي المقدسة، وقضاء فريضة الحج. كما أنه رأى في الإقامة بمكة فرصة لقاء كبار علماء العالم الاسلامي وقد استقرت في نفسه نصيحة أحد شيوخه إذ قال له(إن الارتحال المستمر صعب فإذا أردت أن تستزيد من العلم فما عليك إلا السفر الى مكة حيث يلتقي جميع علماء المسلمين)(). بالإضافة الى التعرف على الشعوب الاسلامية عن قريب.
وقد ذكر بعض المؤرخين() أن ابن السنوسي قبل أن يسافر الى المشرق رجع الى بلده مستغانم وفيها قام بإتمام أول زواج له إذ بنى باحدى بنات عمومته ثم نشب بينه وبين أقاربه الأدنين خلاف حول أملاكه وذلك لأنهم كانوا قد وضعوا أيديهم عليها ولم يرسلوا له بشيء من ريعها طيلة مدة غيابه وطالب أولاد عمه بالريع وتسليم الملك له فامتنعوا عن ذلك فرفع عليهم قضية وربحها فسلمت له الحكومة أملاكه أما الريع فلم يجدوا منه شيئاً يدفع له لذا قامت الحكومة بسجن اولاد عمه فتنازل ابن السنوسي عن طلبه وطلب اخلاء سبيلهم فكان له ذلك. ثم انه بعد ذلك صفى أملاكه وانتقل الى جهة قسطنطينية وجاء عند عرب اسمهم اولاد نايل كانوا في جنوب شرق القسطنطينية فبنى عندهم زاوية ومارس هناك الوعظ والتعليم والارشاد.
وقرر بعد ذلك (ابن السنوسي) الارتحال الى مكة وعرض على زوجته ان ترافقه فلم ترغب في ذلك، فرأى أن يطلقها لعلمه بطول المدة التي يرغب فيها بالانقطاع عن بلده() وولد له من زواجه الأول طفل توفى وهو صغير ثم ماتت أمه بعد ذلك().
وغادر ابن السنوسي الجزائر ودخل تونس وقابس وجامع الزيتونة واستفاد من شيوخها واستفاد الطلاب منه وطلب منه التدريس ولبى الطلب ثم واصل سيره ودخل طرابلس الغرب وكان ذلك في حكم يوسف القرمانلي الذي كان مستقلاً عن الدولة العثمانية، فأكرم نزله ومكث في مدينة طرابلس وضواحيها مدة للوعظ والارشاد والتعليم ونفع العباد ولم يترك بها مسجداً معروفاً إلا ألقى فيه دروساً وتعلق به آل المنتصر وأصبحوا فيما بعد هم النائبون عنه في طرابلس وسافر الى زليطن للوعظ والارشاد والدعوة واستطاع أن يكسب لدعوته انصاراً من مصراته وزليطن وطرابلس ومن أشهر الأسر التي أصبحت من ركائز الدعوة السنوسية فيما بعد؛ آل المحجوب ، وآل الآشهب ، وآل الدردني ، وآل عمران بن بركة ، وآل يوسف، وآل بن فرج الله وآل المقرحي وآل الثني وآل الغرياني وآل العيساوي وآل الغزالي وآل الهوني وآل الزناتي() وساعده على تعلق الناس به خلق كريم ، وطلعة بهية ، وقبول من رب العالمين.
ونستطيع أن نحدد تاريخ دخول ابن السنوسي بطرابلس الغرب من حديث حفيده احمد الشريف الذي تحدث عن اجتماع جده بأحد مريديه وهو عمران بن بركة (فكان اجتماعه به اثناء مروره عليهم قادماً من المغرب الى المشرق سنة ثمان وثلاثين بعد المئتين والالف في بلده زليتن بغرب طرابلس الغرب)().
ومن خلال مروره على طول الساحل الافريقي تعرف على احوال مسلمي المغرب وكون فكرة عن أوضاعهم، واتاحت له تلك الرحلات التعرف على اناسٍ كثيرين وعلى اماكن كثيرة، وقد استفاد من هذا التعارف فيما بعد عند عودته من الحجاز، وكان من طبيعة ابن السنوسي ان يوطد علاقاته بمن يتعرف عليهم ووثق صلته بأشخاص كثيرين ونجح في كسب قلوب الكثيرين حتى ان رجلاً كعمران بن بركة كان يريد مرافقة ابن السنوسي ولكنه طلب منه التريث والانتظار حتى يرسل له().
ووصل ابن السنوسي سيره ودخل برقة وقبل وصوله الى مدينة اجدابيا مر على نجع شيوخ المغاربة الشيخ علي لطيوش فأكرمه وقام بخدمته خير قيام دون سابق معرفة ورافقه الى اجدابيا وجهزه الى اوجله، ولم يمر ببنغازي ولا الساحل وتعرف على الشيخ عمر بوحوا الاوجلي وكان في رفقته عبد له، وعبدالله التواتي واستمر في رحلته مع الصحراء بواسطة القوافل حتى وصل القاهرة().

سادساً: دخوله القاهرة:
دخل ابن السنوسي مصر وكان الحكم آنذاك لمحمد علي باشا وكان صاحب الجولة والصولة وكان ذلك في عام 1239هـ/1824م وكان محمد علي باشا قد قبض على زمام الأمور في مصر بقوة منذ سنة 1805م وكانت فرصة لابن السنوسي ليتعرف على تجربة محمد علي باشا عن قرب وقد لاحظ ابن السنوسي عدة أمور جعلته لايرتاح الى نوع الحكم الذي أقامه محمد علي باشا وطريقة الاصلاح وازدادت قناعة ابن السنوسي فيما بعد بخطورة حركة محمد علي باشا التي كانت سياسته تخدم أعداء الاسلام وهيئة سياسته المنطقة بأكملها لمرحلة استعمارية مازالت آثارها تعاني منها الامة حتى اليوم لقد استطاعت السياسة النصرانية الأوروبية ان تحقق أهدافها الآتية بواسطة محمد علي باشا:
تحطيم الدولة السعودية الأولى التي كادت أن تكون خنجراً مسموماً في ظهر الأطماع البريطانية في الخليج العربي خصوصاً والمشرق عموماً.
فتح الأبواب على مصراعيها لإقامة مؤسسات معادية للدين الاسلامي والمسلمين في محافل ماسونية وإرساليات تبشيرية وأديرة وكنائس ومدارس في بذر التيارات القومية المعادية للإسلام، وبث الافكار المعادية لمصالح الامة الاسلامية .
إتاحة الفرصة لشركات أوروبية تتحكم في الاقتصاد.
منح امتيازات واسعة للأوروبين ، ومنع أهالي مصر والشام من تلك الامتيازات.
خنق التيار الاسلامي الأصيل، وضيق على العلماء والفقهاء ولم يسمح للمسلمين أن يتكتلوا من أجل اهدافهم النبيلة().
وأما حالة الأزهر في ذلك الوقت فقد كان في انحطاط، فالعلوم التي تدرس فيه تراكم عليها الغبار لقدمها وفقدت لمعانها وبريقها لانعدام الإبداع فيها والتزام التقليد؛ أما علماء الأزهر فقد عمل محمد علي باشا على اضعاف دورهم ووقعت بينهم المنافسات والضغائن واستعان بعضهم بالحكام واستعداء السلطة على بعضهم وعمل محمد علي باشا على تقويض صف العلماء؛ كالخلاف الذي وقع بين الشيخ عبدالله الشرقاوي شيخ الأزهر ، وبين بعض المشايخ الآخرين حيث ترتب على ذلك الخلاف صدور الأمر من محمد علي باشا الى الشيخ الشرقاوي بلزوم داره وعدم الخروج منها ولا حتى الى صلاة الجمعة()، وسبب ذلك كما يقول الجبرتي: (أمور وضغائن ومنافسات بينه وبين إخوانه...، فأغروا به الباشا ففعل به ماذكر فامتثل الأمر ولم يجد ناصراً وأهمل أمره)().
وقد أصيبت العلوم الدينية في الأزهر بالجمود والتحجر نتيجة لعدة عوامل منها؛

الاهتمام بالمختصرات:

(فأصبح الفقهاء ينقلون أقوال من قبلهم ، ويختصرون مؤلفاتهم في متون موجزة، ويأخذون هذه الأقوال مجردة من أدلتها من الكتاب والسنة، مكتفين بنسبتها الى اصحابها)().
ويذكر الإمام الشوكاني اهتمام الناس في عصره بهذه المختصرات والخطورة التي تنطوي على ذلك فيقول (قد جعلوا غاية مطالبهم ونهاية مقاصدهم العلم بمختصر من مختصرات الفقه التي هي مشتملة على ماهو من علم الرأي والرواية، والرأي أغلب، ولم يرفعوا الى غير ذلك رأساً من جميع أنواع العلوم، فصاروا جاهلين بالكتاب والسنة وعلمهما جهلاً شديداً، لأنه تقرر عندهم أن حكم الشريعة منحصر في ذلك المختصر، وأن ماعداه فضلة أو فضول فاشتد شغفهم به وتكالبهم عليه، ورغبوا عما عداه، وزهدوا فيه زهداً شديداً)().

الشروح والحواشي والتقريرات:

انتشرت الشروح والحواشي والتقريرات في تلك الفترة في الأزهر الشريف وفي عموم الأمة، فكانت كالأغلال التي كبلت العقول وأدت الى جمود العلوم وكانت توجد بعض الحواشي والشروح المفيدة ولكنها لاتكاد تذكر، وكانت مناهج التعليم بعيدة عن منهج أهل السنة والجماعة، وكان الازهر مركزاً لعلوم المتكلمين البعيدة عن روح الاسلام وأصيبت المناهج الاسلامية بالاضافة الى الجمود موجة من الجفاف: (...وأصبحت الدراسات الاسلامية دراسة لا حياة فيها ولا روح، وجرت عدوى هذه الدراسات الى جميع أبواب الفقه حتى الأبواب التي كانت يجب أن تكون دراسة الروح أهم عنصر فيها...)().

الإجازات :

من عوامل تدهور الحياة العلمية في الأزهر في تلك الفترة التساهل في منح الاجازات؛ فكانت تعطى جزافاً، إذ كان يكفي أن يقرأ الطالب أوائل كتاب أو كتابين مما يدرسه الأستاذ حتى ينال إجازة بجميع مروياته وكثير ما أعطيت لمن طلبوها من أهل البلاد القاصية عن طريق المراسلة، فكان العالم في القاهرة يبعث الى طالب في مكة بالإجازة دون أن يراه أو يختبره().
فكان ذلك التساهل من الأمور التي شغلت المسلمين عن تحصيل العلوم، كما كان ينبغي، وهكذا كان التساهل في منح الإجازات عاملاً مهماً من عوامل انحدار المستوى التعليمي وضعف العلوم الشرعية، حيث أضحىالهدف عند كثير من المنتسبين الى العلم، حيازة أكبر عدد من هذه الإجازات الصورية التي لم يكن لها في كثير من الأحيان أي رصيد علمي في الواقع().

رفض فتح باب الاجتهاد:

أصبحت الدعوى بفتح باب الاجتهاد تهمة كبيرة تصل الى الرمي بالكبائر ، وتصل عند بعض المقلدين والجامدين الى حد الكفر، وكانت الدعوة الى قفل باب الاجتهاد توارثها المتعصبون على مر العصور واصبح حرصهم في أواخر الدولة العثمانية ظاهراً ونافحوا من أجل عدم فتحه، ومقاومة كل من يحوم حوله مما شجع المتغربون بالسعي الدؤوب لاستيراد المبادئ والنظم من أوروبا ولقد ترتب على إغلاق باب الاجتهاد آثاراً خطيرة لاتزال أضرارها تنخر في حياة المسلمين الى يومنا هذا. (فحين يتوقف الاجتهاد مع وجود دواعيه ومتطلباته فما يحدث؟
يحدث أحد الأمرين: إما أن تجمد الحياة وتتوقف عن النمو، لأنها محكومة بقوالب لم تعد تلائمها؛ وإما تخرج على القوالب المصبوبة، وتخرج في ذات الوقت من ظل الشريعة ، لأن هذا الظلم لم يمد بالاجتهاد حتى يعطيها ، وقد حدث الأمران معاً، الواحد تلو الآخر.. الجمود أولاً ثم الخروج بعد ذلك من دائرة الشريعة)().
لقد عانت الأمة من قفل باب الاجتهاد وكانت الدولة العثمانية في أواخر عهدها لم تعطي هذا الباب حقه وكانت عجلة الحياة أسرع وأقوى من الجامدين والمقلدين الذين ردوا كل جديد، وخرج الأمر من أيديهم: (وهكذا توقفت الحركة العقلية عند المسلمين إزاء كل جديد تلده الحياة، والحياة ولود لا تتوقف عن الولادة أبداً، فهي تلد كل يوم جديداً لم تكن تعرفه الانسانية من قبل وكان من هذا أن مضى الناس -من غير المسلمين- يواجهون كل جديد، ويتعاملون معه، ويستولدون منه جديداً، وهكذا سار الناس من غير المسلمين قدماً في الحياة ووقف المسلمون حيث هم لايبرحون مكانهم الذي كان عليه الآباء والأجداد من بضعة قرون)().

التعصب المذهبي:

استمر التعصب المذهبي في الأزهر يضعف المستوى التعليمي، وانحدرت العلوم، وتكبلت العقول والأفهام وفرق بين كلمة المسلمين وأفسد ذات بينهم، وزرع العداء والشقاق بين أفرادهم وجماعتهم بعد أن تحزبوا طوائف وجماعات، كل طائفة تناصر مذهبها، وتعادي غيرها من أجله ، وفي تلك الفترة تفاقم هذا التعصب وعم الاقطار الاسلامية ولم يسلم منه قطر ولا مصر؛ فالجامع الأزهر كان ميداناً رحباً للصراعات المذهبية خصوصاً بين الشوافع والاحناف وذلك من أجل التنافس الشديد على مشيخة الأزهر(). إن العصبية المذهبية أوجدت حواجز كثيفة بين المسلمين في القرون الأخيرة؛ فأضعفت شعورهم بوحدتهم الاسلامية اجتماعياً وسياسياً، وأورثت فيما بينهم من العداوات ماشغلهم عن أعداء الاسلام على اختلاف أنواعهم، وعن الاخطار المحدقة بالمسلمين والاسلام...)().
كانت زيارته لمصر قد رسخت في نفسه ضعف دولة الخلافة من جهة، وزاد ضعفها بظهور حكومة محمد علي باشا على مسرح الأحداث في مصر وقد وصل الى قناعة مهمة في الإصلاح والنهوض من أهمها:
أن المسلمين كانوا في حاجة ضرورية الى العلماء الربانيين الذين يقومون بنشر الدعوة للدين القويم.
أهمية احياء مبدأ الشورى على مستوى الحكومات وخطورة الحكام المستبدين الذين يتحكمون في رقاب الأمة بإسم الاسلام.
خطورة جمود العلماء وتعصبهم وتقاعسهم في نشر العلوم النافعة بين جميع طبقات الشعب.
أهمية تعلم الصنائع وتعميمها لسد حاجات الشعب، وتحبيب عوام المسلمين الفروسية، والرياضة واستعمال السلاح.

خطورة التسويف وترك العمل الجاد الخلاق.

وقد عمل ابن السنوسي في تلك الفترة على اكمال فكره ورأيه وظهر بهذه النتيجة التي تقول؛ أنه في حاجة ملحة الى تحصيل علوم كثيرة غير العلوم العقلية والنقلية التي استفادها من فاس، واقتنع أن تفوق أوروبا هو وليد العلم الذي سبب لهم التفوق في مجال الصناعة والرياضة، والفنون الحربية العملية وقد لمس ذلك في المشاريع التي اشرفت عليها فرنسا وبريطانيا في مصر في زمن محمد علي باشا.
والنتيجة الثانية أن من أسباب عدم تقدم الاسلام وعدم اتحاده ؛ اختلاف المذاهب وكثرة الطرق، والحكم الفردي الاستبدادي، وابتعاد الأمة عن روح الاسلام المتمثل في كتاب الله وسنة رسوله e ().
وبعد هذه التجربة القصيرة في مصر قرر مواصلة سفره الى الحجاز بعد أن أقام عاماً واحداً وقد أحدثت زيارته لها آثاراً في نفسه من ذلك انه ازداد إيماناً بأن دولة الخلافة كانت في طريق الانحلال والاضمحلال، وقد ذكر المؤرخ التركي احمد حلمي قوله: (وأحدثت هذه الزيارة في نفسه تبدلاً عظيماً وانتقش في ذهنه ان الدولة العثمانية في طريق الانحلال والاضمحلال )()
لقد خبر ابن السنوسي اوضاع الدولة العثمانية في وطنه الاول الجزائر حيث تسلط الولاة الاتراك وحكمهم الاستبدادي ، وعجز الدولة عن منعهم من الظلم، وجاء الى القاهرة فرأى حكم محمد علي باشا وانفراده بشؤون مصر ، فزاد اقتناعاً بعجز الدولة وضعفها().
سابعاً : دخول الحجاز:
دخل ابن السنوسي الحجاز عام 1240هـ/1825م، ونزل بمكة المكرمة وكانت تلك الزيارة لمكة ذات اثر كبير في قيام الدعوة السنوسية وظهور شأنها، و ساعد على هذا جملة اسباب:
1- استطاع ابن السنوسي ان يتحصل على انباء عظيمة عن احوال واخلاق المسلمين الوافدين الى مكة .
2- اتيحت له فرصة طيبة للإحتكاك بعلماء وفقهاء ومفكري الامة، وتبادل معهم الآراء ، والافكار في كيفية النهوض وإعادة مجد الامة .
3- كانت مكة منبراً مهماً للدعوة ولذلك اشتغل ابن السنوسي بنشر العلوم وتحصيلها و المناظرة فيها واجتهد في دراسة المذاهب الاسلامية حتى حذق مخاطبة جميع العالم الإسلامي .
4- اتيحت له دراية بحركةالشيخ محمد ابن عبدالوهاب عن قرب وعاشر اتباع الدعوة السلفية ومريديها وتتلمذ على علمائها وشيوخها ودرس الحركة السلفية دراسة واعية في مواقفها السياسية واجتهاداتها العملية
5- شيوخه في مكة :
اقبل ابن السنوسي في مكة على العلماء يتعرف عليهم ويأخذ عنهم ، لقد كان تشوقه للعلم وتواضعه في اخذه يبدوا جلياً في أي مكان حل فيه وكانت مكة تضم عدداً من العلماء المسلمين يمثلوا المذاهب والاتجاهات الفكرية المختلفة ، ففيهم الصوفي وفيهم المالكي وفيهم السلفي ، وهذا جعله يطلع على معظم الاتجاهات في عصره ، ومن اشهر العلماء الذين اخذ عنهم :
1- ابو سليمان عبدالحفيظ العجمي مفتي مكة وقاضيها .
2- ابو حفص عمر ابن عبدالرسول العطار ، وقد ذكرهما في رسالته التي كتبها ، كمقدمة لموطأ مالك باعتبارهما العالمين الذين يروي الموطأ عنهما من المشارقة .
3- احمد الدجاني ، حيث اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية وغيرهم كثير .
4- احمد ابن ادريس من افضل شيوخ ابن السنوسي وقد تأثر به ابن السنوسي تأثراً عظيماً وقد اخذ عنه ابن السنوسي عدداً من الطرق الصوفية ، ودرس ودرس عليه الحديث والسنة ، ولد محمد ابن ادريس سنة 1173هـ بميسورة() اصله من المغرب الاقصى وتلقى العلم على اكابر علمائها ثم هاجر الى مكة واستقر في الحجاز ، واصبح من علماء وقته ومر هذا العالم بالجزائر وتونس وطرابلس وبنغازي سيراً على الاقدام ، واستقر فترة من الزمن في بنغازي ، ثم رحل الى الاسكندرية بحراً ، واثنى على اهل بنغازي واهل الجبل الاخضر لما رأى عندهم من محبة الخير والصلاح وقال فيهم ( هذه بلادنا فيه تحيا اورادناحيها سعيد وميتها شهيد طوبى لمن اراد الخير لأهلها وويل لمن اراد الشر بأهلها )().
ودخل الحجاز واستمر يتنقل بين مكة والمدينة والطائف ما يقارب ثلاثين سنة واستفاد منه خلق كثير من اصقاع العالم الإسلامي ، من مصر ، والسودان،والهند،واليمن،وبلاد المغرب وغيرهم وكان دخول الحجاز عام 1213هـ()
وعندما دخل سعود بن عبدالعزيز بن محمد بن سعود الحجاز عام 1221هـ لم يتعرضوا للشيخ احمد بن ادريس بأذىوكذلك اتباعه وقد وصف ابن ادريس بانه ذو ميول سلفية
قضى ابن السنوسي سنوات عديدة مع استاذه ابن ادريس الى ان اضطر الاخير الى الارتحال من الحجاز ( وكان سبب الارتحال مالقيه ابن ادريس من عنف السلطات الحكومية ،ومعارضة علماء مكة الذين صاروا ينقدون السيد على اعتبار انه كان لا يتفق في منهجه مع ما اعتاد عليه هؤلاء من ازمان طويلة حتى صاروا يعدونه مبتدعاً ثم انقلب نقدهم اضطهاد اضطر بسببه السيد ابن ادريس لمغادرة مكة الى صبياً العسير ) وكانت ( صبيا العسير ) ضمن املاك الدولة السعودية ومبادىء الدعوة السلفية متمكنة في نفوس اهلها وهذا ماكان يكرهه علماء الدولة العثمانية في مكة واتباعها .
ان ارتحال احمد ابن ادريس الى صبيا دليل على حسن الصلة التي بينه وبين اتباع حركة الشيخ محمد ابن عبدالوهاب() وسافر ابن السنوسي مع استاذه الى صبيا واقام معه هناك حتى وفاته().
ان تتلمذ ابن السنوسي على احمد ابن ادريس افاده كثيراً وقد توثقت العلاقة بين ابن السنوسي وشيخه ابن ادريس واصبحت علاقة قوية جداً يوضحها احمد الشريف في كتابه الانوار القدسية ما نقله عن ابن ادريس ( ...أما ولدنا السيد محمد بن السنوسي فنحن أمرناه أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله اياكم ثم اياكم من كل مايقطعكم عن صحبته فانه النائب عنا قد اختاره الله لذلك، وقد طلب منا مراراً أن نجعل ذلك لمن يقوم به غيره فلم نر فيه المصلحة إلا هو ... ونحن ماأقمناه حتى أقامه الله ورسوله فقد قام امتثالاً لأمرهما فلم يكن له غرض لطلب دنيا ولا طلب جاه)().
لقد اخذ ابن السنوسي من شيخه الاذن لإعطاء العهود وتلقين الذكر فأذن له وأمره (أن يدل الخلق على الله ويجذب الطالبين الى الله)() ولم يلبث ابن السنوسي طويلاً بعد ذلك حتى بنى أول زاوية له في الحجاز وباشر الدعوة في حياة شيخه ابن ادريس وشرع ابن السنوسي في إلقاء الدروس في مكة وتعليم من يجتمع حوله من المريدين وطلاب العلم، ويعتبر المؤرخون زاوية ابي قيس أول الزوايا التي أسسها ابن السنوسي بعد اعتزامه القيام بالدعوة واختياره لنظام الزوايا كوسيلة لنشر تعاليمه وأفكاره ، ومكث في الحجاز في رحلته الاولى خمسة عشر سنة استطاع أن يجمع خلالها من التلاميذ والاتباع والمريدين أعداداً كثيرة، مما حرك ضده عداوة شيوخ مكة وعلمائها الذين كانوا يخالفونه وينقدون اعتماده الصريح الخالص على الكتاب والسنة في دروسه واقتفاء السلف الصالح في إرشاده وتعليمه، وإقامته الحجة على أن الاجتهاد لم يغلق بابه، وزاد على ذلك أن السلطات الحكومية بدأت تشعر بخطورته، وخطورة الدعوة التي يحملها من جراء التفاف الناس حوله، وكان ابن السنوسي على اتصال مستمر بأبناء ابن ادريس في صبيا وهي تابعة للحركة السلفية، وكان العداء على أشده بين الحكومة العثمانية والاشراف بمكة وبين اتباع الشيخ محمد بن عبدالوهاب وهكذا كثرت الصعاب والعوائق في طريقه وفكر في الانتقال بالدعوة الى مكان آخر، ولاشك أن قامته الطويلة في مكة أثرت على جوانب كثيرة في تفكيره ووجهت اتجاهه الاصلاحي الوجهة التي سار عليها، فهناك في مكة أخذ كفايته على العلماء، ودرس معظم الاتجاهات الفكرية ، والتقى بأستاذه ابن ادريس، وكذلك بوفود الحجيج القادمين من مدن وقرى العالم الاسلامي وتعرّف على احوالهم ، وزاد فهماً للداء الذي ينخر فيهم، وكانت هذه الجموع من الحجيج تربة خصبة استطاع أن يبذر فيها دعوته واختار منهم من يصلح لمعاونته().
ولم ينس القضية الجزائرية واذكاء جذوة الجهاد في نفوس ابناء الجزائر ضد فرنسا ، وعندما قدم محي الدين الجزائري برفقه ولده وأشراف قومه الى مكة إلتقى بهم ابن السنوسي وأكرمهم غاية الاكرام، وبعد ان ارادوا السفر ودعهم وقال لهم : إن الدين الاسلامي يحتم على كل مسلم أن يدافع عنه بقدر استطاعته ويحرْم على المسلمين الاستسلام للعدو الغاصب المعتدي والمنتهك لحرمات الدين والاسلام والمعطل لأحكام الله واني استوصيك بولدنا عبدالقادر هذا خيراً فإنه ممن سيذود عن حرمات الاسلام ويرفع راية الجهاد فكان هذا سبباً في ايجاد روح الجهاد والمقاومة فيهما وتفكيرهما فيه ومعلوم لدى الباحثين جهاد عبدالقادر محي الدين الجزائري في الجزائر().

 
22-06-2007, 02:17 PM   مشاركة رقم :: 6
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

زواجه الثاني:
وفي فترة اقامته في الحجاز تزوج ابن السنوسي زوجته الثانية السيدة خديجة الحبشية وقد قام بتزويجه استاذه ابن ادريس الذي رآه يعيش عزباً منذ طلاقه لزوجته الاولى. وكانت السيدة خديجة تتصف بالتقوى والصلاح. وقد قامت بدورها نحو زوجها فهيأت اسباب الراحة له ورافقته في رحلاته، ورضيت باسلوب حياته الصعب الذي يتصف بالانتقال المستمر والعمل المرهق. وقد توفيت فيما بعد بالجغبوب بعد وفاة ابن السنوسي بحوالي عشرين سنة عام 1296هـ().
ثامناً: رحلته من الحجاز الى المغرب:
تضافرت عدة اسباب دفعت ابن السنوسي لمغادرة مكة منها؛ توفي استاذه احمد بن ادريس، عداوة شيوخ مكة وعلمائها لما كان يطرحه ابن السنوسي، خوف الحكومة العثمانية من علاقته بأبناء احمد بن ادريس في عسير وهي أرض تابعة لأتباع الحركة الوهابية، دعوة مريديديه من أهالي المغرب لزيارة بلادهم()، وأضاف عبدالقادر بن علي رغبة ابن السنوسي للجهاد في بلاده ضد الفرنسيين؛ فعقد النية وصمم على السفر للاشتراك في جهاد فرنسا في الجزائر، والتحق بركبه عدد كثير من اتباعه واخوانه وعين الشيخ عبدالله التواتي على زاوية ابي قيس بمكة للقيام بشؤون الاتباع وكان سفره ذاك في آخر عام 1255هـ في 26 ذي الحجة حسبما هو مذكور في مذكرة مرافقيه الشيخ محمد بن صادق البكري، ثم سافر الى مصر من مكة ومعه عدد كبير من الاخوان وذلك آخر عام 1255هـ ودخلها أول عام 1256هـ وزار الجامع الأزهر وألقى دروساً نافعة ووقف احد كبار مشايخ الأزهر وقال (انصتوا أيها العلماء لقد حل بين أظهركم عالم الأمة المحمدية ونبراس الشريعة المطهرة وشمس سماء المعارف الإلهية:
إذا صلصل الباز فلا ديك صارخ
ولا فاخت في ايكة يترنم
ألا وهو الشيخ الكامل سيدي محمد بن علي السنوسي الحسني الأدريسي فارتج الجامع بعلمائه ولم يمكث الشيخ بمصر غير مدة قليلة ثم سافر)().
وتعرض ابن السنوسي لهجوم الشيخ عليش المالكي بسبب دعوة ابن السنوسي لفتح باب الاجتهاد وقد ذكر محمد عبده في كتابه الاسلام والنصرانية أن ابن السنوسي تعرض للقتل: (ألم يسمع السامعون ان الشيخ السنوسي كتب كتاباً في أصول الفقه زاد فيه بعض المسائل على أصول المالكية وجاء في كتاب له مايدل على دعواه أنه ممن يفهم الأحكام من الكتاب والسنة مباشرة وقد يرى ما يخالف رأي مجتهد أو مجتهدين فعلم بذلك أحد المشايخ المالكية وكان المقدم من علماء الجامع الأزهر الشريف فحمل حربة وطلب الشيخ السنوسي ليطعنه بها لأنه خرق حرمة الدين وتبع سبيل غير سبيل المؤمنين، وربما كان يجترئ الاستاذ على طعن الشيخ بالحربة لو لاقاه وإنما الذي خلص السنوسي من الطعنة ونجى الشيخ المرحوم من سوء المغبة وارتكاب الجريمة باسم الشريعة هو مفارقة السنوسي للقاهرة)().
وقد تعرض الشيخ ابن السنوسي في مصر لمرض اضطر على أثره أن لايأكل شيئاً من الزاد سوى مقدار بسيط من الحليب صباحاً ومثله مساءً فقط وكان الذي يقدم له الحليب رجل تركي، فوضع له سماً في الحليب فلما شرب منه سقطت اسنانه في الإناء واشتد به الألم حتى يئس منه جميع الاخوان وأخيراً منَّ الله عليه بالشفاء بعد معالجات إلا أنه سبب له مضاعفات من جسمه تخرج على جلده جبة ( أي قشرة تشبه جبة الحنش وصارت له عادة يسلخها رأس كل عام وقت أخذه لذلك الحليب، ولما تحسنت صحته أرسل للشيخ عبدالله التواتي في مكة ولما حضر إليه ارسله الى قابس بتونس يرفقه بعض الاخوان ومعهم زوجته الحبشية وأمر بعض الأخوان أن يواصل رحلته الى الجزائر().
وكان ابن السنوسي في سفره ذلك قد قصد المدينة المنورة للوداع ثم نزل ببدر في الصلاة وإن حصلت في اثناء سفره يقصر ويجمع في الصلاة وإن حصلت له اقامة ببلد أو غيرها واستمر على ذلك يقصر ويجمع إلى تسعة عشر يوماً ، تارة يجمع جمع تقديم وتارة جمع تأخير، وهو في عمله هذا يخالف المالكية ويتبع الاحاديث الواردة في قصر الصلاة وجمعها بعد ان اعتقد صحتها().
وبعد الشفاء من مرضه اجتهد في الدعوة الى الله وتعليم الناس وارشادهم واقام مدداً متفاوتة في عدد من المدن والقرى فترك في كل منها ركائز وأنصاراً، وقد تميز أسلوبه الدعوي بالبساطة وباتفاقه مع مستواهم العقلي().
وواصل ابن السنوسي رحلته براً من سيوه الى جالوا ثم أوجله وكان برفقته الشيخ عمر بوحوا، ومحمد الشفيع ، والمهدي الفيلالي ثم توجه الى برقة ونزل على نجع عائلة اللواطي من العواقير، ففرحوا وقاموا باكرامه ورفقائه ورافقوه الى منتجع قبيلة المغاربة فنزل على الشيخ علي لطيوش فأكرم ابن السنوسي ورافقه الى محل يسمى الهيشة مابين سرت ومصراته وهناك قابله آل المنتصر ومعهم اعيان مصراته فدخل معهم إليها وبعد مدة قليلة واصل سيره الى بلدة زليتن ومنها الى طرابلس ونزل في بيت احمد المنتصر وترك عنده بعض الاخوان وولي سفره الى زوارة ودخل حدود تونس() وشعرت المخابرات الفرنسية بخطورة ابن السنوسي منذ فترة طويلة وحاولت ان ترصد تحركاته مع الحجيج الجزائري والمغاربة عموماً، فبثت المخابرات الفرنسية عيونها وآذانها على طول الحدود وجاءته الأخبار بذلك وتقرر ان لايواصل شخصياً سيره، وندب محمد بن صادق وحمّله بعض الاموال والاسلحة لتوصيلها الى الأمير عبدالقادر الجزائري() وعاد الى طرابلس، وتبنى ابن السنوسي دعم حركة الجهاد في الجزائر بالاموال والاسلحة والرجال مااستطاع الى ذلك سبيلا، وقد أوفد في فترات متفاوتة عدداً من تلاميذه النجباء من أمثال محمد بن الشفيع، وعمر الفضيل المعروف بأبي حواء، والشيخ ابو خريص الكزة()، وقد نقل محمد الطيب الاشهب عن دوفربيه الفرنسي مايشير الى اعتقاد الفرنسيين بتدخل ابن السنوسي في اعمال المقاومة في الجزائر؛ فدوفرييه يقول (إن السنوسية هي المسؤولة عن جميع اعمال المقاومة التي قامت ضد فرنسا في الجزائر وانها السبب في الثورات المختلفة التي قامت ضد فرنسا كثورة محمد بن عبدالله في تلمسان وصحراء الجزائر سنة 1848-1861 وعصيان محمد بن تكوك في الظهرا عام 1881م..... الخ.
وقد بين المؤرخ الليبي عبدالقادر بن علي الذي رافق احمد الشريف السنوسي حوالي اربعين سنة أن بعض الاخوان من السنوسية شاركوا في الجهاد الجزائري حتى ان بعضهم أكل تمرات غرس نواها وطلع وكبر وأثمر وأكل من ثمرها وهو في ميدان الجهاد().
وقد عثر المؤرخ احمد الدجاني على خطاب ارسله احد تلاميذ ابن السنوسي من الجزائر الى مدير غدامس التركي (غدامس في ليبيا) وارشدنا الخطاب الى ان دعوة ابن السنوسي بلغت الجزائر وان عدداً من اتباعه كانوا يقاتلون الفرنسيين فيها ومنهم مرسل الخطاب وتاريخ الخطاب سنة 1268هـ. وقد كان ابن السنوسي في الحجاز في ذلك التاريخ. ومن بين ماجاء فيه (...وأما انا عبدالله حين قدمت بلاد وارقلة ففتح الله علينا بها وصارت محمدية بعد ما كانت في يد الرومي دمره الله وخليفة الرومي فيها، سبحان من حكم الضعيف في القوى وصار القوي من عبده مخذولاً مذموماً، لكن من بركة الشريف شيخنا سيدي محمد بن علي السنوسي t ونفعنا وإياكم به آمين. وصاروا عربان وارقلة وقصورها وقبائل الشعامبة وقصور تغورت وعربانها والأرباع والخرزلية والحجاج وكثير من عربان الظهيرة وقصور بني مصاب كلهم تحت طاعة الله ورسوله وطاعتنا والمجاهدين كل يوم في الزيادة...وبعث لنا الرومي دمره الله في هذه الساعة ثلاثة أمحل... تلاقينا معهم وصرنا مثل الشامة البيضاء في ثور اسود فنصرنا الله نصراً عزيزاً واعلننا على اعدائه، ووقع القتال بيننا بالبارود والسيوف حتى كسرناهم كسرة عظيمة وقتلنا منهم نحو ثلاثة ماية وستة وثمانون رجلاً وقلعنا من الخيل كثير والبنادق بلا عدد والخزنة والابل والأخبية والحمدلله على ذلك....)().
إن الحقائق التاريخية تثبت للباحث اهتمام ابن السنوسي بالجهاد في الجزائر ضد فرنسا وحاول أن يشارك بنفسه إلا أن الظروف منعته من ذلك، وعمل على ارسال تلاميذه بالاسلحة والمال وتحريض اتباعه في الجزائر على القتال وقد استمر اتباع السنوسية والشعب الليبي في دعم حركة الجهاد حتى تم دحر الاحتلال الفرنسي من الجزائر وتحصلت الجزائر على استقلالها عام 1962م.

تاسعاً: ابن السنوسي في طرابلس:
عاد ابن السنوسي من قابس الى طرابلس مع صحبة مجموعة من الاخوان في عام 1257هـ ونزل ضيفاً عزيزاً على عائلة المنتصر، وتخوف الوالي العثماني من ابن السنوسي واستطاع عميد عائلة المنتصر أن يقنع الوالي علي عشقر بأن ابن السنوسي من المخلصين والمحبين للدولة والخلافة، وعمل على جمع الوالي العثماني بابن السنوسي وقد تأثر الوالي بورعه وقد فصّل محمد الطيب الأشهب في هذه النقطة فقال: (فبعد أن وصل قابس عاد الى طرابلس وذلك في أوائل 1257هـ وكان حاكم طرابلس يومئذ علي باشا عشقر الذي وصلته انباء مشوهة عن دعوة السنوسي وحركته التي قيل على لسان رواة الحاكم العثماني انها ترمي الى ما يبعث على قلق السلطات العثمانية وكان رواية هذه الاتهامات هو احد شيوخ الطرق الصوفية سامحه الله.
فأمر علي عشقر بالقبض على رفاق الامام السنوسي الموجودين بمنزل الحاج احمد باشا المنتصر ريثما يتسنى القبض على شخص الامام. وتقدم المنتصر بوساطته في ان يبقى الاخوان السنوسيون في منزله وقدم بذلك ضماناً شخصياً متعهداً أن يخبر الحكومة عن الإمام السنوسي حينما يعود. وشاء الله أن يصل الامام فجأة وماكان يعلم عما حدث فلما علم أصر على رؤية الوالي وهناك اجتمع بمجلس علمي وقف فيه الوالي على حقيقيته فاعتذر له وانضم إليه اثنان في المجلس المقرحي والقزيري...)(). وكان العلامة المقرحي من طليعة علماء طرابلس وقد كلفه اشقر باشا مع غيره من العلماء بمناقشة الامام ابن السنوسي فما كاد يستمع إليه حتى تأثر به واصبح من اتباعه ومريديه.
وكان رأي العلماء الذين ناظروا ابن السنوسي بأنه نعمة من الله ساقها إليهم وفرح الباشا بذلك واعتذر لابن السنوسي، وقال له هذه بلادك والاهل اهلك، فأنفعهم بقدر استطاعتك ونحن في الحاجة الشديدة لامثالك، فأقام ابن السنوسي في طرابلس مدة يعلّم الناس ويذكرّهم ويبصرّهم بأمور دينهم، وتعلق الناس به ، وسارت إليه الركبان().
ويذكر بعض المؤرخين أن الوالي العثماني علي عشقر أخذ عن ابن السنوسي طريقته وصار من أتباعه، ويبدو أن الدولة العثمانية كانت في حاجة ماسة الى يد قوية تستعين بها في ضبط الأمور على أساس استتباب الأمن واخماد الفتن والمصادمات في داخل البلاد التي استمرت سبع سنوات مضت قريباً() وأن الأحداث في تلك السنة كانت على أشدها حيث كانت الثورة مشتعلة في جبل نفوسة بقيادة غومة المحمودي، وسيف النصر في سرت ضد الدولة العثمانية واستطاع غومه المحمودي وسيف النصر أن يستقل كل منهما بمنطقته لفترة من الزمن مقابل دفع مبلغ معين للولاة، ثم تفاقم أمرهما، فعمل الوالي العثماني على الخلاص منهما ونجح في القبض عليهما، فأما غومه فنفاه من طرابلس ، وأما عبدالجليل سيف النصر فقطع رأسه().
ولذلك حرص الوالي العثماني من الاستفادة من نفوذ ابن السنوسي في ليبيا وخصوصاً بعد أن ظهر منه حرصه على الأمن واجتماع الكلمة، ونبذه للتنافر والخصام بين جميع المسلمين وشعوبهم() وقد كانت نظرة الوالي العثماني تدل على بعده السياسي ، وحرصه على الأمن واستقرار البلاد، وحبه للدعوة الى الله تعالي.
عاشراً : ابن السنوسي في برقة:
واصل ابن السنوسي سيره الى سرت وبرفقته امراء من آل المنتصر بأمر عميد الأسرة، وأعيان من مصراته ودخل سرت ووجد هناك كوكبة من الفرسان في انتظاره ، هم بعض اعيان وشيوخ ،ووجهاء برقة من العواقير والمغاربة واهل الجبل الاخضر ومدينة بنغازي فرحبوا بسيادته ورافقوه في رحلته ومر في طريقه بالكثير من القبائل وبعد وصوله الى بنغازي تنافست بيوتات بنغازي البارزة في اكرامه ، كعائلة الكيخية ، وآل شتوان ، وآل منينة وقام في بنغازي شهر رمضان كاملاً وبعد العيد جاء رجلان من قبيلة العواقير لشراء الكفن للشيخ ابي شنيف الكزة زعيم قبيلة العوافير عموماً الذي مرض مرضاً تحقق اقاربه منه بالموت ، ولما وصل الرجلان الى بنغازي دخلوا على الرجل الصالح علي خريبيش وكانت لهم به معرفة ، واخبروه بمرض الشيخ ابو شنيف وطلبوا منه الدعاء له بالشفاء فقال لهم هنا رجل صالح عالم نزوره أنا وأنتم ونطلب منه الدعاء له بالشفاء فلما التقوا بابن السنوسي اظهر لهم عدم الانزعاج واطال لهم في المجلس وهم كأنهم على نار فألحوا في طلب الأذن لهم بالخروج فقال لهم: ربما هذا المريض يدفن بعض الحاضرين ثم قال لهم نخرج معكم إليه ففرحوا وفعلاً ترك بعض اخوانه وثقل اثاثه وخرج معهم مخفاً وكان الشيخ أبي شنيف نازلاً بأهله بمكان يسمى الظاهر يبعد عن بنغازي بمسافة يوم كامل فلما وصل الى الشيخ ابي شنيف وكان في حالة غيبوبة ومرضه في بطنه وهي منتفخة فوقف عليه ووضع يده الشريفة على بطنه فأنتفشت كأنها قربة منفوخة وافاق في الحال وتكلم، فعلت اصوات النساء بالزغاريد وسرت القبيلة بشفاء عميدها العظيم().
لاشك أن ابن السنوسي قد أخلص في دعوة الله لشفاء هذا المريض، وقرأ عليه بعض الأدعية النبوية المباركة وربما سورة الفاتحة وقرأ عليه القرآن الكريم وهذا جائز في الشرع، فعن ابي سعيد الخدري t؛ أن ناساً من أصحاب رسول الله e كانوا في سفر؛ فمروا بحيٍّ من أحياء العرب؛ فاستضافوهم. فقال لهم: هل فيكم راقٍ؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب؛ فقال رجل منهم: نعم. فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب؛ فتبسم وقال : (وماأدراك أنها رقية؟) ثم قال: (خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم)() وقد علّم رسول الله e الأمة كيف يفعلون مع مرضاهم، فكان e إذا أتى المريض يدعو له ويقول: (أذهب الباس. رب الناس واشف أنت الشافي. لا شفاء إلا شفاءً لايغادر سقماً)().
لقد كانت حادثة شفاء زعيم قبيلة العواقير على يدي ابن السنوسي مدخلاً عظيماً للدعوة الى الله في قبائل برقة واعتبره المؤرخ عبدالقادر بن علي اول فتح لابن السنوسي في برقة والجبل الأخضر وأقام في نواجع العواقير مايقرب من الشهر واجتمعت على سيادته الناس من انحاء برقة لزيارته وطلب الدعاء منه()، وقد انتشرت بين الناس كرامات نسبت لابن السنوسي وقد ذكر الحشائشي أن ابن السنوسي عندما قدم من المغرب الى الحجاز على طريق قابس من أعمال تونس نزل بحي من أحياء العرب ولم يظهر الشيخ انه من العلماء وليس معه إلا أربعة أنفار، فأكرم نزله رب الحي المذكور لما رأى عليه من المهابة، فلما أراد المسير من عنده أهداه رب المكان بغلته ليركبها بالطريق فأخذها الشيخ من عنده ولما ركبها في اليوم الأول من سفره عثرت به فسقط من أعلاها وانكسرت ذراعه الأيمن من حينه ورجع الى رب الحي المذكور فتلقاه مذعوراً وفي الحال أحضر له أناساً عالمين بجبر الكسر، فطفقوا يعالجون الشيخ بمطارق من الحديد تحمى في النار ثم تجعل على محل الألم ومع ذلك فإن النار لم تؤثر في ذراعه؛ فتعجب الناس من ذلك وعرفوا فضله، ومن هناك أخذ الشيخ في الاشتهار().
إن المفتاح الكبير لقبائل برقة هو قناعتها بأن ابن السنوسي ولي من أولياء الله الصالحين ولذلك سمعت لنصائحه، واطاعت أوامره، فأرشدهم الى كتاب الله وسنة رسوله e، وعلماء الأمة يثبتون الكرامات للصالحين: (فأولياء الله المتقون هم المقتدون بمحمد e، فيفعلون ما أمر به وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين، وخيار أولياء الله كراماتهم لحاجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين، كما كانت معجزات نبيهم e كذلك. وكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباع رسول الله e....)().
(ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بسبب حاجة الرجل ، فإذا احتاج إليها الضعيف الإيمان أو المحتاج ، أتاه منها مايقوي إيمانه أو يسد حاجته ، ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته، ولهذا كان هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة)() ومن عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بكرامات الأولياء().
إن ابن السنوسي صحت معرفته بالله ورسوله ودينه وصدقت متابعته للشرع ظاهراً وباطناً، ونحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحد، ولذلك فتح الله عليه بما لم يفتح على غيره، من إلهامات صحيحة ، وفراسات صائبة، وأحوال صادقة، قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا مايوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً وإذاً لأتيناهم من لدنا أجراً عظيماً ولهديناهم صراصاً مستقيماً} (سورة النساء، آية 66-68 وكان عمر بن الخطاب t يقول: (اقتربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم مايقولون فإنه تتجلى لهم أمور صادقة)().
وقال ابن عثمان النيسابوري (من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه { وإن تطيعوه تهتدوا}().
وقال الكرماني (من غض بصره عن المحارم ، وأمسك نفسه عن الشبهات، وعمّر باطنه بدوام المراقبة ، وظاهره باتباع السنة، وعود نفسه أكل الحلال لم تخطي له فراسة)().
بعد شهر من بقائه في نجع العواقير واصل سيره متوغلاً في برقة الحمراء ومنها الجبل الاخضر وبصحبته جمع غفير من الاخوان ومشايخ مختلف القبائل من الحاربي والعواقير حتى وصل الى مكان يسمى ماسة وتقدم من ماسة الى محل يسمى دنقلة حيث مكان الزاوية البيضاء بالقرب من ضريح الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الانصاري t() وقد شرع الاخوان السنوسيون في تأسيسها قبل مجيء ابن السنوسي وذلك بتوجيه منه، وهي أول زاوية يؤسسها ابن السنوسي خارج الحجاز ولها مقام كبير عند السنوسية ويطلق عليها أم الزوايا، وقد بنيت زاوية البيضاء خارج البلدة وعلى بعد حوالي ثلاثة كيلومترات منها ويلاحظ الباحث أن ابن السنوسي اختار لها موقعاً استراتيجياً جيداً يتميز بسهولة الدفاع عنه وصعوبة الوصول إليه. كما يلاحظ أيضاً أنه أحسن بناءها. ولقد تميزت كل الزوايا التي أنشئت ببرقة بالموقع الاستراتيجي، كما أنها تتتابع بانتظام مما يدل على أن ابن السنوسي كان يرمي الى جعلها كالقلاع لتقوم بصد المعتدين في الحروب لانه كان يتوقع هجوم الأعداء عليها() ولا ننسى زعيم البراعصة الشيخ ابوبكر بوحدوث الذي وقف بجاهه وماله ونفسه مع الحركة السنوسية، وكان من تواضعه يشارك العمال في كافة أعمالهم بنفسه فضلاً عن اتباعه وكان بجلالة قدره ممن يخلط الطين للبنائين الذين يبنون المسجد والزاوية البيضاء رغبة في الثواب().
وشرع ابن السنوسي من الزاوية البيضاء يعلم الناس ويذكرهم بالله ويرشدهم الى طريق النجاة في الدنيا والآخرة، وبدأت القبائل تتوافد إليه وتطلب زيارته لها تبركاً به وتطلب اقامة زوايا لها اسوة بالزاوية البيضاء، فكان t يتوجه بنفسه الى القبيلة أو المكان المطلوب اقامة الزاوية فيه وأحياناً ينتدب بعض الاخوان لذلك وهكذا بدأت القبائل تتسابق والزوايا تنتشر().
وظل في نواحي برقة والجبل الأخضر يزور القبائل، ويؤسس الزوايا حتى تم تأسيس ماينوف عن عشرين زاوية كما كان طيلة هذه السنوات يتردد مابين القبائل ويصلح مابينها ويزيل ما تأصل بينهم من الاحقاد والمشاجرات التي طال أمدها رغم ضررها وكان يعظهم ويذكرهم ويرشدهم الى إخوة الاسلام، ورابطة الايمان، ويحثهم على التعاون على البر والتقوى، ويأمرهم بترك العقائد الفاسدة والعادات القبيحة مثل التبرج والاختلاط، وقتل النفس بأتفه الأسباب وعدم الانقياد لأوامر الدين والدولة، وكان يأخذ منهم العهود والمواثيق على أنهم ينقادون لأوامر مشايخ الزوايا ويرجعون إليهم في مختلف قضاياهم وحل مشاكلهم، ويدخلون ابناءهم في الزوايا ليتعلموا القرآن وأمور دينهم، كما كان يأخذ عليهم عهوداً بأحترام الزوايا ومشائخها والاخوان وان يبذلوا جهودهم لمساعدة الزوايا والاخوان فيما هو ضروري لبقائها عامرة وكل قبيلة تطالب اقامة زاوية لها تقيمها لهم بالشروط المتقدمة().
والزوايا التي تم تأسيسها خلال السنوات الأربع المتقدمة في الجبل الأخضر وبرقة (البيضاء، شحات، بنغازي، درنه، ماره، ام الرزم، والعرقوب، توكرة، طلميثه، الطيلمون، الفائدية، المخيلي، القصور، المرج، ام ركبه في (فزان)، مرزق، زويلة، هون، سوكنه (في طرابلس) مزده، طبقة الرجبان، تونين، مصراطه، ازليتن، زله، وفي تونس زوايا الجريد.
وعلى الحركة الاسلامية المعاصرة في بلادنا وغيرها أن تراجع حسابتها وتتفقد الاماكن التي كانت منارات للعلم والتربية والدعوة، وتعمل على احياء مااندرس منها على منهج صحيح وسليم وقويم من عقيدة السلف، ومنهج أهل السنة والجماعة، مع الاستفادة من خبرات الحركات المعاصرة وتجديد الوسائل، لعل الله ينفعنا وينفع بنا ويهدينا سواء السبيل.
زواجه الثالث:
في أواخر عام 1258هـ جمع ابن السنوسي اخوانه في ليلة من الليالي وقال لهم تعلمون اخواني انني تقدمت بي السن (وكان سنة آنذاك سبعة وخمسون سنة) وضعف جسمي وقوتي بعد شربي للسم ولم يبقى لي مأرب في النساء غير اني رأيت سيدنا محمد e في منامي وقال لي خذ احدى بنات هذا الرجل أي السيد احمد بن فرج الله تأتيك بولدين يكونان من المهاجرين والانصار وانني امتثالاً لامره e اريد ان اخطب من اخينا السيد احمد احدى بناته، ثم عقد t على فاطمة وهي الوسطى من البنات().
إن الرؤية الصالحة في المنام بشرى تزف لعباده الصالحين، وأمر رسول الله e في المنام إذا لم يخالف الشريعة لايوجد ما يمنع من تنفيذه وكانت بشرى صادقة وقد وقعت كما رآها ابن السنوسي.
إن أمر الرؤية في حياة ابن السنوسي واضح وجلي ، ويستأنس بها في رحلاته واعماله وبالنسية لرؤية رسول الله e في المنام فلا خلاف بين أهل العلم فيها، فعن ابي هريرة t أنه قال: سمعت النبي e يقول : (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا يتمثل الشيطان بي)() وفي رواية عن أنس t قال: قال النبي e (من رآني في المنام فقد رآني ، فإن الشيطان لا يتمثل بي)() وفي رواية عن ابي قتادة t قال : (قال النبي e من رآني فقد رأى الحق)().

 
22-06-2007, 02:18 PM   مشاركة رقم :: 7
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

المبحث الثاني

أسباب اختيار ابن السنوسي برقة مركزاً لدعوته


إن أقليم برقة أحد أقاليم ليبيا الثلاثة (برقة ، طرابلس، فزان)، بل أكبر هذه الأقاليم من حيث المساحة (700 الف كيلومتر مربع) وإن لم يكن أكثرها سكاناً، ويمتد هذا الاقليم من هضبة السلوم شرقاً وحدود طرابلس غرباً، وكان يعرف عند الرومان باقليم (سيرينة) التي سماها العرب (قيرين) أو (قرناه) ثم أصبح يعرف منذ الفتح الاسلامي باقليم برقة().
وسطح الاقليم متنوع بين سهل ساحلي يضيق في الجزء الأوسط بحيث يتكون من جيوب ساحلية تنحشر بين رؤس صخرية تصل الى الساحل، ولكن في جناحي برقة: في البطانان شرقاً، وفي برقة البيضاء والحمراء غرباً، يتسع هذا السهل الساحلي بحيث يمتد عشرات الاميال الى أن يلتقي بالصحراء()، والى جانب هذا السهل الساحلي يوجد الجبل الأخضر الذي يرتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي ألف متر وتكسوه الخضرة الدائمة، ويرتفع الساحل ارتفاعاً مباشراً ولكنه ينحدر تدريجياً نحو الصحراء في الجنوب، وبه الأراضي الصالحة للزراعة المساحات الكبيرة التي ترويها مياه الامطار الغزيرة.
والى الجنوب من الجبل الأخضر توجد الصحراء الواسعة التي تكون معظم مساحة الأقليم وهذه الصحراء مستوية وان وجد بها بعض الكثبان والهضبات فهي مستوية أيضاً، وفي صحراء برقة توجد أودية عميقة بعضها يمتلئ بالماء فترة ما وبعضها يكون جافاً طول السنة()، كما توجد بعض الآبار والينابيع المتناثرة وسط الصحراء تحيط بها واحات فقيرة مثل الجغبوب والكفرة، وجالو، وأوجلة().
وسكان برقة يعيشون في تنظيم قبلي اتضحت صورته منذ الفتح الاسلامي ثم عندما زحفت قبائل بني هلال، وبني سليم من مصر الى المغرب منذ القرن الخامس الهجري - الحادي عشر الميلادي، أصبحت هذه القبائل تنقسم الى قسمين رئيسين: القبائل السعدية ، وقبائل المرابطين ، ويذكر البعض أن السعديين هم قبائل بني سليم، وأن المرابطين هم بقية القبائل العربية اليمنية التي جاءت مع الفتح الاسلامي والتي اختلطت مع سكان البلاد وعربتهم، وأن ثمة قبائل من المرابطين لها شرف في النسب الى بيت الرسول e ومن أهم القبائل السعدية ، العبيدات، وعائلة فايد، والحسا والبراعصة، والدرسة، والعبيد، وعرفة، والعواقير، والمغاربة، وأهم قبائل المرابطين: المنفة ، والقطعان، والحوطة، والفواخر والزوية().
وقبائل برقة تعيش نفس التنظيم القبلي العربي من حيث انقسامها الى عشائر وبطون وأفخاذ، وللقبيلة أرض تملكها وتنتقل في ارجائها، وأفراد كل قبيلة متضامنون في أداء ما عليهم من واجبات وفي الحصول على مالهم من حقوق، ولكل قبيلة رئيس أو شيخ له الرياسة العامة على أفرادها. ومنذ أيام الفتح الاسلامي حتى العصر الحديث كان الحكم في برقة يأخذ القبيلة بعين الاعتبار في تقسيم البلاد الى وحدات ادارية، بحيث تكون القبيلة أساساً لتطبيق النظام ومساعدة الحكام().
كان القبائل في برقة تعيش حياة غير مستقرة؛ فيما عدا الواحات، وكثيراً ما تتقاتل من أجل المراعي أو مياه الآبار().
وقد توفرت في برقة ظروف ملائمة لظهور الحركات السنوسية بوصفها حركة اسلامية شاملة:
أن برقة منفصلة عن الاقطار المجاورة بالصحارى والفيافي التي تحيط بها.
تتألف برقة من قبائل عربية بدوية تربطها أنماط حياة اجتماعية متجانسة.
يقوم النظام القبلي في برقة على (عصبيات) دموية مشتركة وتقاليد وأعراف متشابهة.
لاتزال المناطق الريفية بعيدة عن سيطرة المدن.
لم يمارس الحكام العثمانيون إلا سيطرة ضعيفة على المناطق الداخلية().
إن النظام القبلي في برقة كان حلقة مفقودة في خطة ابن السنوسي ووجد ضالته في ذلك المجتمع، فقد أوجد النظام القبلي القواعد السياسية التي اقيمت عليها الحركة السنوسية، إن النظام القبلي في برقة تميز بالتعقيد ووجود مؤسسات متطورة لها مصالحها الاقتصادية، وتركيبتها الاجتماعية ويرجع نجاح الحركة السنوسية في برقة في بعض جوانبه الى التكيف مع هذه التركيب القبلي المعقد()، إن الحركة السنوسية وجدت بنية اقتصادية، وتركيبية اجتماعية استطاعت أن تتفاعل معها الحركة، لقد استطاع ابن السنوسي أن يشيد على البناء القبلي تنظيماً ارشادياً ووعظياً، ولم يكن من الممكن اقامة مجتمع جديد بدون ذلك البناء القبلي().
لقد وجد ابن السنوسي ضالته في قبائل برقة، ووجدت القبائل ضالتها المنشودة في دعوة ابن السنوسي.
كانت قبائل برقة قبل مجيء ابن السنوسي تتخبط في دياجير الظلام، حيث استفحل الجهل في تلك القبائل رغم اعتناقها الاسلام الذي تنتسب إليه اسمياً وبالفطرة، ولم يبقى لها من الاسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه وإليك بعض الصور من هذا الانحراف الخطير:
اتخذت بعض القبائل مواقع من برقة لتأدية فريضة الحج بدلاً من الحج الى بيت الله الحرام.
كانت بعض القبائل لا ترى ضرورة صيام رمضان فتكلف ثلاثين شاباً قوياً، فيصومون يوماً واحد، ويرون بذلك قد أدوا واجب الصيام على المسنيين والعجزة وارباب الأعمال من أهل القبيلة.
كثر الأدعياء والدجالين الجهلة الذين يدعون لأنفسهم مقام الولاية والصلاح دون معرفة أصول الدين وعلى غير علم به، وكان حقهم في هذا المقام هو بالتوارث خصوصاً إذا ماكان بين هؤلاء الأدعياء من له صلة بنسب شريف ولهؤلاء مكانتهم في نظر العامة التي اعتقدت أنهم يتصرفون في ملكوت الله أحياء وأمواتاً، وأنهم في حالة الغضب أو الرضى يشقون ويسعدون .
لقد غابت كثير من شعائر الدين بين تلك القبائل().
كانت القبائل يكثر بها الجهل قلما تجد من يعرف القراءة والكتابة، فكل من يصل إليه كتاب يذهب به الى اقرب المدينتين إليه بنغازي أو درنة لقراءته.
كان القوي منهم لا يتورع في الحصول على ماتصبو إليه نفسه بالقوة حتى أن الضعيف لا يرى له حقاً.
كانوا لايرون في شن الغارات والغزو والقتال عيباً، فكل قبيلة من القبائل العربية تعمل ما يعزز مركزها ويقوي شوكتها في نظر القبيلة الاخرى.
كانت الحروب تندلع بين القبائل بأقل الاسباب واتفهها ، فتارة من أجل شخص حلب ناقة غيره بدون استئذانه، وتارة من أجل شخص ضاف آخر فلم يكرم وفادته، ومرة من أجل بهيمة أكلت زرعاً، وحيناً من أجل رجل تزوج امرأة ولها ابن عم لا يريد زواجها منه...الخ فبمثل هذه الاسباب كانت تقع الحروب الكثيرة التي جرت القبائل الى هاوية الخراب والدمار، ولم يمر وقت طويل بدون حرب، ومن أهم الحروب التي وقعت ببرقة قبل مجيء ابن السنوسي حرب العبيدات وأولاد علي ، وحرب قبائل الجبارنة مع الفوائد، ثم الجبارنة مع الحرابي المعروف بحرب (بياض)، وحرب المغاربة مع الزواوات، الى غير ذلك من الحروب الكثيرة().
ولكن الدعوة السنوسية استطاعت أن تزكي النفوس، وتقوى الايمان، وتنشر العلم، وتزيل الجهل ، وتحارب الظلم، وتحبب العدل الى نفوس تلك القبائل ، وبعد فترة من الزمن اصبح من تلك القبائل علماء عاملون يدعون الى الخير وبه يعدلون ولقد استطاع الشاعر أبوسيف مقرب حدوث البرعصى أن يصف الحالة التي كان عليها قومه وكيف تحولوا عنها نتيجة للدعوة السنوسية:
وكم من حريم قد أباحوا واجحفوا
بمال غني لايخافون عادياً
وكم جهول أسود اللون خلقة
كساه لبوس العلم ابيض صافياً
وكم بدوي في الفلا خلف نوقه
يبول على الاعقاب أشعث حافياً
تلافاه في مهوى الضلالة هاوياً
فأصبح نجماً بالهداية عالياً
فتاهوا به فخراً على كل حاضر
ومن جاور الأعلى يحوز المعاليا()
وهذه قصيدة الشاعر الأديب الاستاذ احمد شنيب المعروفة بـ (عقيدة وخلود) توصف حال المجتمع الليبي فتقول:
ارض الجدود وقد جفاك بنوك
حتى استحل دم العروبة فيك
ماخطبهم باعوا الهداية بالدجى
وتفرقوا ، وبجهلهم خذولك
وتشتتوا في الأرض لا من غاية
غير التناحر والدم المسفوك
شعب تفرق شمله وقبائل
لم يدركوا (التعارفوا) فرموك
ياوحيهم ماجاء عمرو غازيا
إلا لنشر الحق في ناديك
ودم الصحابة لم يرق عفواً ولم
يستشهد الابرار حين غزوك
وهبوا حياتهم لنصرة ربهم
والدين والقرآن كي يحموك
عادت عصور الجاهلية بينهم
وتصدع الاسلام بين يديك
واحسرتاه على الحنفية كم غدت
تبكي كرامة مجدها المهتوك
لا الدين أصبح يهتدي بجلاله
لا السنة العصماء تسعد فيك
والمسلمون أدلة ليست لهم
من دينهم غير اسمه ياسوك
ساءت موازين الحياة وبالهوى
ساسوا الأمور، وخسفهم ساموك
وتطلع الغرب الغريب توثباً
واعد عدته لكي يرو يك
ابناء روما في الشمال تحفزوا
وبنوا فرنسا في الجنوب قلوك

الله يارض الجدود ومن سوى
رب السماء من الأذى ينجيك
ان الذي بعث النبي محمداً
للتائهين اعز من يهديك
ياابن السنوسي الكبير تحية
من أمة في عصرها المنهوك
جاءت إليك تحط كل رجائها
وتطوف حول ركابك المبروك
او لست سيد عصره وامامها
والقائد الاعلى بغير شريك
في لينه حزم، وفي ايمانه
كل اليقين بنصر خير مليك
وغناه في قصد، وفاقته على
اسمى التجمل في اعف سلوك
ياارض قرى خاطراً وتقدمي
بتحية الاكبار من هاديك
حملت آثاماً فجاء مطهراً
اكرم به من مؤمن يحبوك

وغدوت اشتاتاً فاقبل هادياً
ومبشراً، والى العلا يدعوك
ويلم شعث المسلمين ويبتني
ركنا يقام وامة تفديك
ويعيد للدين القويم بهاءه
ويقيل عثرة شعبك المملوك()
إن اختيار ابن السنوسي لبرقة كان قراراً حكيماً، يدل على معرفته للمنطقة جيداً، فقد اتصفت برقة بفراغها السياسي وبجهلها العلمي وبكونها مخرجاً لأواسط أفريقيا().
وظل ابن السنوسي خمس سنين وقيل ستة في برقة، ينشئ الزوايا وينظمها، ويرسم مناهج الدعوة ومبادئها ويبث دعوته الاصلاحية عن طريق هذه الزوايا. ثم عاد بعد هذه السنوات الخمس الى الحجاز، المركز الأول لدعوته، ومنذ ذلك الوقت كان للدعوة عنده مركزان رئيسيان : شرقي في الحجاز وغربي في برقة، وعن هذين المركزين أخذت الدعوة السنوسية تنتشر بواسطة الزوايا هنا وهناك().
إن سفر ابن السنوسي الى مكة يدلنا على إنه كان لديه مشروعات دعوية كثيرة في العالم الاسلامي، وأن هدفه فتح أراضي جديدة لدعوته، لقد استطاع ابن السنوسي أن يرسي قواعد الدعوة في برقة ويثبت أسسها ، فغادر برقة وهو مطمئن الى أن دعوته ستنتشر ، وقد خلف وراءه عدداً من الاخوان للاشراف على الحركة.
لقد كان ابن السنوسي يخطط في تنظيمه بحيث يكفل الاستمرار بغض النظر عن وجوده أو عدم وجوده().

 
22-06-2007, 02:19 PM   مشاركة رقم :: 8
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

المبحث الثالث

إقامة ابن السنوسي في الحجاز وعودته الى برقة

سافر ابن السنوسي الى الحجاز، واستمرت مدة اقامته حوالي ثماني سنوات، وحفلت هذه السنوات بنشاط دعوي عالمي لابن السنوسي، دل على قدرته التنظيمية، وذكائه في تصريف شؤون الحركة، وشرع في إنشاء الزوايا، وكثر دخول الناس في الدعوة، وتعرض لمتاعب من قبل بعض العلماء وقد تحدث الصادق المؤيد عن ذلك فقال (مع أن المرحوم ابن السنوسي عندما كان في الحجاز لم يتعرض للهجوم على الطرق الصوفية الأخرى، فإنه اصبح هدفاً لنقمة الآخرين ونقدهم. ومع ذلك فقد توسع نفوذ السنوسية ودخلت الصحراء جزيرة العرب حيث اعتنقها عدد من القبائل كبني حارث وبني حرب، كما انتشرت الطريقة بواسطة الحجاج: وهذا سر انتشارها بسرعة خارقة في الحجاز واليمن على الخصوص.
وعلى الرغم مما وقع للسيد السنوسي من رقابة ومنافسة وعداء، فقد كان عدد المريدين في ازدياد، ولذلك أسس زوايا أخرى عدا الزاوية الرئيسية التي في جبل ابي قبيس في المدينة والطائف والحمراء وينبع وجدة)().
وكانت كل زاوية من هذه الزوايا عمل خاص (فزاوية أبي قبيس فيها مسجد شريف ومدرسة للتعليم ومساكن لقبول الزوار والمسافرين ، وتكتظ هذه الزاوية بالناس في موسم الحج خاصة. أما زاوية جدة فكانت تستقبل الوافدين من المنسوبين للطريقة وغيرهم وتتولى إسكانهم وإعاشتهم مجاناً، فهي محل ضيافة عامة) ().
واستطاع ابن السنوسي أن يساهم في تربية وتعليم القبائل من الحجاز، وارشدهم الى دينهم وعمل ابن السنوسي بالاضافة الى تأسيس الزوايا على تعليم مريديه بنفسه، فجلس في مكة يدرِّسهم الفقه والعلوم الأخرى. كما ألف لهم عدداً من الكتب منها كتابه (بغية المقاصد وخلاصة الراصد) المسمى بالمسائل العشر. وقد انتهى كما تشير الى ذلك النسخة المطبوعة سنة 1264هـ أي أثناء اقامته في الحجاز، ومنها رسالة كتبت مقدمة لكتاب موطأ الامام مالك في أول سنة 1267هـ (وذلك حين بداءته لقراءة الموطأ) بغية إعطاء طلابه فكرة عن الكتاب()، وربما قد كتب بعض مؤلفاته الأخرى في تلك الفترة، كإيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن، والدرر السنية في أخبار السلالة الادريسية، والسلسبيل المعين، وقد ظهر في كتبه هذه اتجاهه الصوفي واعتماده على الكتاب والسنة وقوله بالاجتهاد.
وكان طوال إقامته في الحجاز، يحرص على الحج كل عام، ويتصل بالناس ويدعوهم الى دعوته ويضم من يستجيب منهم وكان على اتصال مستمر بأتباعه في برقة يوجههم ويصدر إليهم تعاليمه وارشاداته بواسطة الرسائل. ويذكر الأشهب (أنه كان يندب سنوياً من يزور مختلف الزوايا لإبلاغ توصياته وتوجيهاته)().
وكان ابن السنوسي قد ترك زوجته وولديها محمد المهدي ومحمد الشريف في برقة وكان على اتصال بهم عن طريق الرسائل وكان قد عين عمران بن بركة ومحمد بن ابراهيم الغماري للأهتمام بشؤون أهله وولديه وقد ذكر عبدالقادر بن علي، بأن ابن السنوسي عندما بشر بمولوده الجديد قال (الآن ظهر الصباح وخفي المصباح) وكان يقصد بالصباح ابنه والمصبح نفسه().
وعندما بلغ محمد المهدي الخامسة من عمره (أرسل ابن السنوسي الى الاخوان الكافلين له وقال لهم أدخلوه الكتّاب وعلموه الوضوء والصلاة ففعلوا كما أمر)().
وعندما بلغ محمد المهدي السابعة من عمره أرسل إليهم، ليوجهونه إليه مع زوج خالته، فارتحل به، ولما اجتمع ابن السنوسي بولده سر به سروراً عظيماً وطلب لوح قراءته فوجد أوله (وإنك لعلى خلق عظيم) فازداد سروراً، وزوَّره الروضة الشريفة ولقنه ماعنده من الدعاء ثم زوّره المآثر كلها التي بالمدينة، كمسجد المائدة ومسجد القبلتين وجبل أحد، وقبور شهداء احد، وقبر حمزة t().
وكان قبل مجيء ابنه قد تزوج ابن السنوسي زوجته الرابعة والأخيرة (ابنة حسن البسكري). وكانت بدرنة مع أختها وأخواتها وتوفي والدها، فأرسل ابن السنوسي الى ابن أخ حسن البسكري أن يأتي بالأم وبناتها، وكانت أكبر البنات تحت عبدالله البسكري ابن أخ حسن البسكري، فرحل بها الى الحجاز وتزوجها ابن السنوسي ورزقت منه بولد وتوفي صغيراً ولم يفارقها حتى مات().
وعندما بلغ محمد المهدي التاسعة غادر والده المدينة الى مكة وتركه مع زوجة أبيه البسكرية فأعتنت به كثيراً. وفي جمادي من سنة 1269هـ طلب ابن السنوسي ابنه محمد المهدي من المدينة وأرسل يطلب من الأخوان في برقة بإرسال ابنه محمد الشريف.
وذكر احمد الشريف رحلة والده فقال (فأرتحل محمد الشريف من الجبل وهو ابن سبع سنين ومعه والدته وجده السيد أحمد بن فرج الله ومروا على العقبة ثم منها الى الاسكندرية ثم الى كرداسة، ثم نزلوا بمصر ببيت الشيخ عمر الزروالي أقاموا بها أياماً ثم الى السويس وركبوا البحر قاصدين جدة.. وأتتهم ريح عاصفة قبل نزولهم قلعت بالمركب حتى أيقنوا الغرق. وتقطعت الأشرعة وآخر الأمر سلمهم الله ورمتهم الريح على الينبع فنزلوا بها وأقاموا أياماً للاستراحة. ثم ارتحلوا الى المدينة المنورة فزاروا الروضة الشريفة واجتمعوا بالباشا الذي رحب بهما وأعطاه ساعة تساوي مئة، وبعد ذلك بني جامع الزاوية التي بالمدينة بناءً متقناً من نفسه جزاه الله خيراً. وكان بالمدينة يومئذ السيد عبدالله التواتي وأكرمهم غاية الاكرام. وأقاموابها ثلاثة أشهر ونصف ثم ارتحلوا منها الى مكة المشرفة منتصف ذي القعدة سنة تسع وستين بعد المئتين والألف صحبة السيد التواتي .. وتخلف السيد عبدالله لوجع في رأسه وحمى معه آخر فناما ليستريحا ويلحقا بالقافلة، فلم يشعروا إلا وهبت الريح.. وقطاع الطريق قد أحاطوا برواحلهما لينهبوا ماعليها فقاموا إليهم للمدافعة عما أرادوه فضربوا السيد عبدالله بفأس على رأسه فسقط على الأرض وجرحوا صاحبه، وأكتشف رجال القافلة الأمر بعد أن أرسلوا رسولاً ينظر سبب تأخر الرجلين، فتوقفوا لدفنه وساروا في خوف وحزن يحرسهم العسكر الذي أرسله الباشا الى أن وصلوا مكة المكرمة().
وقد حزن ابن السنوسي على مقتل عبدالله التواتي الذي كان من أوائل رفاقه وكان المسؤول الأول عن نشاط الحركة في الحجاز، وقد أمر ابن السنوسي بنقله الى بدر، حيث دفن بجوار الشهداء رضي الله عنهم أجمعين().

كان عبدالله التواتي من كبار العباد في الحركة السنوسية وقد حدثني استاذي في اللغة العربية الشيخ راشد الزبير السنوسي عندما كنا معاً في المعتقل السياسي بطرابلس الغرب بأن عبدالله التواتي كان يقول والله لازاحمنَّ اصحاب النبي على ابواب الجنان بركبتي ، وكان عبدالله التواتي شديد الاخلاص لابن السنوسي حتى أنه دعا الله أن يكون فداء له ولأنجاله()، وقد أصاب قاتليه مرض مزمن وماتوا ميتة بشعة، وانتشر خبر وفاتهم بين قبائل الحجاز، فأصبحوا يتحاشون السنوسية واتباعهم ولا يمسونهم بسوء أبداً حتى أن أهل مكة والمدينة كانوا اذا أرادوا الحج أو الزيارة فلا يخرجون إلا مع الركب السنوسي لكي يأمنوا حياتهم وامتعتهم().

أولاً : عودة ابن السنوسي الى برقة:
بعد وصول محمد الشريف ابن السنوسي الى مكة وكان بصحبته جده لأمه احمد بن فرج الله ووالدته وعمران بن بركة الفيتوري، وكثير من الاخوان ، وحج الجميع مع ابن السنوسي، وقدم من برقة في هذا الحج كثير من اعيانها ووجهائها ومشائخ القبائل منهم()، الشيخ ابو شنيف الكزة والشيخ عمر جلغاف، وعبدالله ابو سويحل، والحاج محمد كاهية وغيرهم ليلتمسوا من السيد عودته الى البلاد المتعطشة لدعوته، فكان يعدهم خيراً، ومما يلفت النظر أن الشيخ ابو شنيف الكزة الذي تجشم مشاق الطريق لرؤية السيد كان عمره يتجاوز المائة سنة، لقد كان شوق الاخوان في برقة الى ابن السنوسي عظيماً، فهذا احمد الطائفي يرسل من درنه قصيدة الى ابن السنوسي جاء فيها:
يامن نأو عني وشط مزارهم
وتجددت لبعادهم احزاني
نار الجوى بين الجوانح اضرمت
والروح فارق بعدكم جثماني
لا كان يوم البين لا كان النوى
ياليتني أدرجت في اكفاني
حر النوى أوهى قوى تجلدى
واعل جسماً طبه اعياني
وأطال سهري والخلائق هجع
واثار وجداً كامنا ًبجناني
وسقى رياض الشوق يوم وداعهم
بسواكب العبرات من اجفاني
فطويت حينئذ بساط مسرتي
ونشرت بعدكم رداً احزاني
فاليك يامولاي أشكو علتي
وعظيم شوقاً بعضه أضناني
وحتى أفوز بنظرة تطفى الجوى
وتزيل كرب حشاشة الولهاني
وأقول ياعيني انظري وتمتعي
بجمال مولانا عظيم الشان
استاذنا وملاذنا وغياثنا
منجي الغريق ومهدي الحيران
سلطان أهل الله ذاك محمد
العالم العلامة الرباني
ابن السنوسي المعظم قدره
من خص بالاسرار والعرفان
اكرم به من سيد ذي سؤدد
ومناقب جلت عن التبيان
لم استطع تعداد بعض صفاته
ولو استطعت لكلّ عنها بياني
يارب فارزقنا سلوك طريقه
فسلوكها ينجي من النيران
وأطل بفضلك عمره وأدم به
نفع العباد والفة الاخوان()

 
22-06-2007, 02:20 PM   مشاركة رقم :: 9
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

وبعد أن ألح زعماء برقة على رجوع الشيخ ابن السنوسي معهم، استخار الله سبحانه وتعالى وسأله ارشاده الى الطريق التي يرضاها سبحانه وتعالى وفيها نفع للأمة المحمدية، فاراه الله ما ألهمه وقوى عزيمته على العودة الى برقة، فرتب الأمور بالحجاز وعين مشائخ للزوايا وزودهم بما رآه وحرضهم على سلوك طريقته في ارشاد العباد ودلالتهم على الله والتمسك بسنة سيدنا رسول الله e وبذل النصح للمسلمين اينما كانوا وأناب عنه في زاوية ابي قبيس الشيخ محمد ابراهيم الغماري، وابقي ابنيه ووالدتهم وجدهم في مكة وأمر محمد الغماري، وأحمد البقالي بتعليم ابنية القرآن الكريم وغيره من العلوم وحمل معه جميع كتبه وأثاثه ورافقه جميع الأخوان الملازمين له، والاعيان والشيوخ القادمين من برقة وتوجه من مكة الى المدينة وأقام بها مايزيد عن مدة شهر()، وقد ذكر بعض المؤرخين أسباب خروجه من الحجاز، فقال بعضهم: كان لديه رغبة لزيارة الشام. وقد أثبت الملك محمد ادريس هذه الرغبة فقال: (إنه كان يفكر بزيارة الشام بعد إقامته الثانية وهم بالتوجه إليه، ولكن أهل برقة اصروا على اصطحابه معهم الى الجبل الأخضر)(). ويذكر الأشهب أنه عندما طالت مدة غياب ابن السنوسي في الحجاز (اشتد القلق في ليبيا لطول غيبته، وسافر الى الحجاز أكثر من وفد ليبي ليلتمس منه ان يعود وكانوا يسافرون غالباً في موسم الحج)(). أما غرضه من زيارة القدس والشام، فأغلب الظن أنها كانت لزيارة المسجد الأقصى لنشر دعوته، ولكن هذه الزيارة لم تتم(). وقد ذكر ابن السنوسي (كان العزم الذي خرجنا له زيارة القدس، ثم في أثناء السفر أتانا الاذن بالذهاب الى هنا (يقصد برقة)().
وانفرد البستاني بالقول انه خرج من مكة خائفاً من تهمة مشاركته مع الشريف عبدالمطلب، شريف مكة، الذي عصى الدولة العثمانية (لذلك خاف من الإقامة في مكة بعد هذه التهمة، فرحل منها عائداً الى الجبل الاخضر عن طريق مصر)() إلا أن هذا القول يسقط ويتهاوى امام حرص ابن السنوسي الابتعاد عن الصدام مع السلطة العثمانية واصل ابن السنوسي سيره من المدينة متجهاً الى مصر ودخلها عام 1854م، وغادرها الى الجبل الأخضر (ونزل بمحل يعرف بالغزيات وهو قصر قديم فرممه وأصلحه وسماه بالعزيات وأقام هناك سنتين)() وكان في تلك الفترة يشرف بنفسه على تنظيم وإنشاء الزوايا، وكان يرسل مندوبين عنه لتفقد احوالها، وكان كبار الاخوان يقدمون على العزيات لزيارة ابن السنوسي، فكان يسمع أخبار الزوايا، ويصدر إليهم تعليماته().
وبعد أن أقام ابن السنوسي عامين في العزيات عزم على التحول الىالجغبوب، وكان قصده التوغل في الصحراء حتى يكون أكثر أمناً().

ثانياً: اسباب اختيار الجغبوب:
إن اختيار ابن السنوسي للجغبوب كمقر لقيادة الحركة السنوسية دليل على بعد نظره، وثاقب فكره، ورجاحة عقله، وحسن تصرفه وقد ذكر المؤرخون اسباب ذلك الاختيار فقالوا:
أراد أن يجعل من الجغبوب مركزاً للتوفيق بين قبائل الصحراء المختلفة ونشر راية دعوة الاسلام بينهم جميعاً، وكان الجغبوب مركزاً أحسن اختياره، وكان صالحاً لأغراضه في وسط قبائل في الشرق والغرب، وكان النزاع بينهما مستمراً، ومن ثم أمن للحركة السنوسية أن تبسط نفوذها في المتنازعين، وأن تصلح ذات بينهم.
الاهتمام بأبواب الصحراء المترامية الأطراف من نواحي الغرب والجنوب والشرق ولذلك كانت زاوية الجغبوب نقطة مهمة واعقبتها عدة زوايا فيما بعد تخدم نفس الهدف، من أجل ضمان السلامة والأمن في الصحراء، وضمان المحافظة على طرق التجارة إذ كانت طرق القوافل تربط بين الجزائر وطرابلس ، وتشاد، وبرقة ومصر.
كان البدو في ليبيا يضطرون أحياناً الى ترك دواخل ليبيا بسبب خلاف يقع بين قبيلة واخرى او مع الدولة العثمانية، فتكون وجهة النازحين من سوء، ولذلك فكر ابن السنوسي ونظر الى هذا الأمر ببصيرة نافذة، فأوجد هذه الزوايا في المواقع البعيدة ليأوى إليه النازحون عن دواخل البلاد، فيجدوا أمناً وأماناً().
ازدادت عداوة علماء استانبول والقاهرة لأفكار ابن السنوسي الدعوية، فرأى أن يبتعد عن الساحل ويتوغل في الصحراء بعيداً عن السلطات العثمانية.
كان ابن السنوسي قد شعر بدنو استيلاء النصارى الصليبين على السواحل، فاختار الابتعاد الى الجنوب والإقامة في الصحراء().
وكان الجغبوب في تلك الآونة (واحة ملحة يأوى إليها الدعار واللصوص ولاتجسر القوافل أن تمر بها من جراء العبث في أنحائها. فلما اختارها (السيد) مقراً له وبني بها زاويته الكبرى صارت مهد أمان ومركز عبادة، ومشرق أنوار ومعلم هداية . فغرس بها الأشجار ونسق الجنان واستنبط العيون وتوسع في البناء، وأسس مدرسة لتخريج مريدي الطريقة أجلس للتدريس فيها جلة العلماء)().
(لم تكن الجغبوب مكاناً يصلح لحياة فخمة ولكنه مركز له عدة مزايا سياسية؛ فهو خارج قبضة الترك والفرنسيين والمصريين ، وهو على خط الحج الرئيسي القادم من شمال افريقيا الغربي عبر مصر الى مكة، وهذا الخط مقطوع عند الواحة بخط تجاري آخر من الساحل الى الصحراء الى السودان؛ وبالاضافة الى ذلك فإنها كانت أكثر النقط توسطا في برقة التي تشكل شبه جزيرة حتى أنه منها مايكون على مقربة من زواياه في برقة وطرابلس والصحراء الغربية في مصر والسودان)().

 
22-06-2007, 02:21 PM   مشاركة رقم :: 10
قلم فضي
 
لا توجد صورة


تاريخ التسجيل: 02-02-2007
المشاركات: 2,993

افتراضي

ثالثاً: الأخوان السنوسيون الذين حملو مع ابن السنوسي الدعوة:
كان ابن السنوسي في تجواله بين الأقطار الاسلامية يقوم بدعوة الناس وتعريفهم بالاسلام، وسلك منهج القرآن الكريم في دعوته، فكان يقوم بوظيفته الدعوية امتثالاً لقوله تعالى: {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون} (سورة البقرة، آية 151).
وتمثل هذه الواجبات الأمور التالية:

أ- تبليغ وحي الله الى الناس، وتعريفهم به { يتلو عليكم آياتنا} وكان يقوم بالتبليغ بالأمور الآتية :
شرح أصول الاسلام وقواعده للناس.
تفسير نصوص القرآن والسنة تفسيراً لمنهج السلف، وملائماً لعصره من حيث الأسلوب والوسيلة .
جمع الناس على الاسلام ومبادئه وأخلاقه، وتوجيههم نحو الفهم والعمل.
استهدف كل الناس بالدعوة سواء كانوا مشركين أو نصارى أو يهود أو ملاحدة، أو منافقين....الخ.
بيان الأخطار التي تواجهها الأمة الاسلامية من أعدائها.
ب- تزكية الناس: حيث قام ابن السنوسي بتربية الناس على الصفات المحمودة، وتذكيرهم بخطورة الاخلاق الذميمة.
ج- التعليم، حيث قام ابن السنوسي بتعليم الناس القرآن والحكمة، ونقلهم من ظلام الجهل الى نور العلم، ومن ظلال الباطل الى هداية الحق.
واستطاع أثناء تحركه بدعوته أن يختار من بين المسلمين مجموعة خيرة من العلماء والفقهاء والدعاة، ممن اتصفوا، بالتميز الايماني ، والتفوق الروحي، والرصيد العلمي، والزاد الثقافي ، ورجاحة العقل ، وقوة الحجة، ورحابة الصدر، وسماحة النفس وأصبحوا من أعمدة الحركة السنوسية أثناء حياته وبعد وفاته، فبعضهم أصبح مشرفاً ومعلماً في الزوايا المنتشرة في ليبيا وتشاد، والحجاز، ومصر ، وبعضهم أصبح من أعضاء هيئة التدريس العلياء في الجغبوب، وكان هؤلاء الأخوان الذين ساندوا الحركة السنوسية منهم من هو من الحجاز، كالشيخ فالح الظاهري، ومحمد بن الصادق الطائفي؛ ومنهم من هو من الجزائر، كأبي القاسم التواتي؛ ومنهم من هو من تونس، كعلي بن عبدالمولى؛ ومنهم من هو من السودان، كالسيد محمد بن الشفيع؛ ومنهم من هو من برقة ، كعبدالرحيم المحبوب، ومنهم من هو من طرابلس كعمران بن بركة الفيتوري().
واختار ابن السنوسي من كبار علماء الحركة للتفرغ للتدريس في معهد الجغبوب (...وجلس كبار العلماء للتدريس بمعهد الجغبوب، حيث تدرس جميع أنواع العلوم()، فلا ينحصر التعليم على حفظ القرآن (وهذا شرط اساسي)، وبعض العلوم الدينية والعربية، كما هو الحال في كثير من المعاهد وقتذاك، وحتى الآن؛ بل إن التعليم قطع بالجغبوب شوطاً بعيداً وسار خطوات واسعة، فتناول أهم العلوم العقلية والنقلية، وكان يجلس للتدريس فطاحل العلماء والأعلام تحت اشراف السيد ابن السنوسي نفسه الذي يضع برامج التعليم ويقرها، فتخرج من هذا المعهد العدد الكبير بقسط وافر من العلوم...فمنهم العلماء والكتّاب والمصنفون().
وقد ذكر محمد الطيب أسماء بعض العلماء الذين قاموا بإلقاء الدروس في معهد الجغبوب تحت إشراف ابن السنوسي فمنهم: عمران بن بركة الفيتوري، أحمد عبدالقادر الريفي، فالح الظاهري، أحمد التواتي، عبدالرحيم أحمد المحبوب، محمد بن أحمد الشفيع، أبو سيف مقرب حدوث البرعصي، حسين الموهوب الدرسي، محمد صادق الطائفي، أحمد الطائفي، محمد مصطفى المدني، محمد القسطيني، محمد حسن البكري().
لقد قام عدد كبير بنصرة وتأييد الحركة السنوسية من العلماء والفقهاء والقادة، والشيوخ ومن أشهر هؤلاء الإخوان الذين ساندوا ووقفوا مع ابن السنوسي في حركته الواسعة:
محمد عبدالله التواتي، وهو من أوائل اخوان ابن السنوسي وتلاميذه، وقد قام بعدة أعمال كلفه بها ابن السنوسي في كل من الحجاز واليمن وليبيا، وقتل في الحجاز ودفن بزاوية بدر وقد مرّ ذكره .
أحمد أبو القاسم التواتي من الجزائر وقد تولى مشيخة زوايا سيوة والزيتون وزوايا فزان ، وكان أحياناً ينتدبه ابن السنوسي للتفتيش على الزوايا ومراقبة أحوالها ومما قاله ابن السنوسي في حقه في كتاب أرسله الى أعيان واحة سيوة قوله (وولدنا الشيخ احمد التواتي قد أقمناه مقامنا، وماأرسلناه إلا لمنفعتكم خاصة ، وإلا فغيره يقوم مقامه، وأسمعوا لنصيحته فإنه نصوح أمين وقد هدى الله به أمماً عديدة)().
توفاه الله بزاوية الطيلمون وقد رثاه زميله العلامة فالح الظاهري بقصيدة عصماء مطلعها:
على مثل من أوقاته حلية الدهر
بصالح أعمال ، دموعك فتلجري
كما رثاه شاعر السنوسية أبوسيف مقرب بقصيدة مماثلة جاء فيها:
سل الدهر هل يبقي سعيد مخلداً
ولو كان أبقاه لأبقى محمداً
يكر علينا ليله ونهاره
شجاعين لا يثنيها من تجلداً()
ومنها :
ألا ليت شعري كيف صاروا بنعشه
الى القبر وهو الطود ذو المجد والندى
حوى نعشه علماً وفخراً وسؤدداً
وحلماً وتقوى ماسواها تزودا

علي بن عبدالمولى من تونس، تولى مشيخة الجغبوب، وكان وكيل خاصة بن السنوسي واستمر في عهد محمد الثاني، وكان معروف بالصلاح والتقوى توفي بالجغبوب.
أحمد بن فرج الله من طرابلس، وهو والد أم محمد المهدي ، ومحمد الشريف وقد توفاه الله بالبيضاء ودفن بمقبرة الصحابي الجليل رويفع بن ثابت الانصاري ولم يترك عقباً من الذكور.
محمد بن الشفيع من سنار السودان، كان من بين تلاميذ العلامة احمد بن ادريس الفاسي دفين (صبيا)، تعرف على ابن السنوسي أثناء حضوره عند أحمد بن ادريس وسمع ماشهد به ابن ادريس لإبن السنوسي، وقد تولى أعمالاً كثيرة منها مشيخة زاوية المدينة، والقيام بالتفتيش على الزوايا في كل من الحجاز وليبيا وكانت آخر اعماله مشيخة زاوية سرت (خليج سدرى) ، وكان من أجل العلماء علماً وتقى وشدة في الحق وشجاعة() وكان يهابه حكام الاتراك وزعماء العرب لشدة تحرشه معهم في الحق رغم جميع المجاملات وكانت له مواقف مشهورة مع الفريق الحاج رشيد باشا عندما كان هذا الأخير حاكماً لبرقة وكان يحترم ويجل ابن الشفيع، وذات مرة سافر رشيد باشا الى الجغبوب وكان يصحبه بن الشفيع وشرع رشيد باشا يتلو القرآن وبن الشفيع يستمع حتى وصل القارئ لقوله تعالى: {إن جهنم كانت مرصاداً للطاغين مآبا} فقال ابن الشفيع أتعلم يارشيد أن جهنم خلقت لمن؟ فقال رشيد الله أعلم ياسيدي فاجابه قائلاً: انها لك ولأمثالك مالم تأخذوا بكتاب الله ، فضحك رشيد وقبل يد ابن الشفيع، وتوفي بن الشفيع بسرت سنة 1324هـ().
أحمد المقرحي، وقد سماه ابن السنوسي بالمفرحي من بادية طرابلس وكان من طليعة علمائها الذين يرجع إليهم على باشا اشقر الحاكم العثماني، وفي بعض الروايات أنه تولى الافتاء في ولاية طرابلس، وقد مر ذكر المناظرة التي قامت بين علماء طرابلس وابن السنوسي وقد توفي المقرحي بالزاوية البيضاء عام 1263هـ ودفن بمقبرة رويفع الانصاري ولم يترك عقباً.
عمران بن بركة الفيتوري ، من زليطن، اسندت إليه مشيخة الزاوية البيضاء، وقام بالتدريس في معهد الجغبوب، وكان مدرساً لمحمد المهدي السنوسي، وكان يتمتع بمكانة مرموقة بين زملائه وتلاميذه توفي بالجغبوب عام 1310هـ ورثاه شاعر الحركة السنوسية أبوسيف مقرب البرعصي بقوله:
لقد سرت يامولاي للقبر نيراً
ولا عجب فلنيرات تسير
وان جار دهر في انتهابك واعتدى
فما زال قدماً يعتدى ويجور
له كلف بالاكرمين فكاسه
تدر عليهم عاجلاً وتدور
ويعتامهم بين الانام فنبله
يصيب وأما خليه فتغير
ألا أن للدنيا مصائب جمة
ولكن مصابي بالكبير كبير
مصاب له فاضت نفسيات أنفس
ولان له (رضوى) ولان (ثبير)
فيا واحداً ضج الجميع لفقده
وعج كبير بالبكاء وصغير
قضيت حميداً وانقضى العلم والتقى
وآضى جناح الدين وهو كسير()

 
موضـوع مغلق

أدوات الموضوع

الانتقال السريع :::

Powered by vBulletin®
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.